فأريد أن أُسلِّم الآن بقضية وهي أنّ إمكانية الإطاحة بنظام عن طريق ثورة شعبية وحرب عصابات أصبحت غير واردة في ظل النظام الدولي، اللهمّ إلّا بعض الأنظمة التي تقوم على الشخص، يعني مثل نظام القذّافي يقوم على شخص، والنظام الأردني يقوم على عائلة متمثِّلة في شخصين أو ثلاثة، فهذا يمكن أن تقوم بعمليّة وتقتل هذا الشخص فيسقط النظام، أما النُّظم المؤسّساتية المستقرّة التي فيها أحزاب وديمقراطيات وانتخابات وجيش وأمن؛ هذه الدول التي فيها مؤسسات هرمية يصعب أن تجتاحها ثورة وتُسقطها.
ولكن إذا سلَّمنا أن الإطاحة بالأنظمة في ظل النظام الدولي أصبحت عقيمة وغير ممكنة إلا في حالات استثنائية، فالذي نُسلِّم به قطعًا أنه ليس هناك تنظيم جهادي واحد قادر على أن يحل محل هذه الأنظمة إن سقطت ويستلم الحكم ويحكم الدولة.
فقلنا هناك عدم قدرة على إسقاط هذه الأنظمة ضمن هذه الأساليب وهذه الظروف الدولية، وإن حصلت لنا معجزة وأسقطنا نظامًا فضمن ما نعرف من حالة التنظيمات الجهادية؛ فكّلها من حيث الوزن والفكر والكوادر والعدد والعدّة؛ لا يمكن أن تستلم نظام الحكم في أي بلد من بلادنا، هذا الكلام خيالي.
فأنا قلت لكم أن أكبر التنظيمات الجهادية عندها ألف أو خمسمائة، فهي تنظيمات معزولة شعبيًا، فإذا استلمت دولة كبيرة فكيف ستعمل ضمن هذه الإمكانيات؟!
قد تقول لي الطالبان متخلِّفون أكثر منّا وحكموا دولة؛ الطالبان نظام هيكلي والنظام الديني والقَبَلي كله مبرمج؛ فضمن النظام الديني وضمن النظام القبلي استطاعوا أن يضبطوا الدولة، وهذا ليس متوفرًا في الدول الأخرى.
فالآن نحن عندنا قصور على أن نستلم دولة؛ ومشاكلنا لا تنتهي لا أريد أن أُعدِّدها الآن؛ فليس هناك خبرات ولا مؤسسات ولا عقلية إدارية ولا بُنية ولا مرجعيّة شرعيّة، وليس هناك أخ يُطاع، وليس هناك إمكانيات اقتصادية. فيمكن أن تهدم الجسر ولكن كيف ستبني جسرًا وليس هناك مهندس ولا عمّال ولا إسمنت ولا حديد؟ عندك متفجرات وهدّمت الجسر ولكن كيف ستبنيه؟!
وليس هناك أي تصوّر لنظرية إمساك الحكم، خاصّةً في البلاد العربية والبلاد التي تطورت قليلًا، فالآن حتى لو توفر لنا شيء من الإمكانيات وقلنا نستطيع أن نُقيم هذا النظام، فقطعًا في ظلّ النظام الدولي وصندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة، والنظام الإقليمي، والتدخل الأجنبي؛ كل هذا يجعل من العسير أن لا يُجبروك أن تدخل في النظام الدولي.
الآن إيران قامت بثورة وهي دولة قوية جدًا، وفيها مرجعية دينية، والآيات عندهم إمكانيات علمية كبيرة، وورثوا نظامًا قويًا أصلًا، ومع ذلك بعد 10 - 20 سنة من الثورة وجدت إيران نفسها مضطرة أن تتخلى عن مبادئ الثورة، ومضطرة على أن تُساير النظام الدولي، ومضطرة أن تدخل في تحالفات مع أمريكا وتتخلّى عن