الشام.
والعثمانيون كانوا من الأحناف السنة ولم يكن عندهم فقه كبير في الدين ولكن كانوا حضارة عسكريّة، ولذلك لا تجد لهم آثارًا في الفكر والترجمة والحضارة، ولكنهم حضارة عسكرية استطاعوا أن يسيطروا على معظم العالم العربي وأجزاء من أفريقيا، وحتى دخلوا إلى مناطق في وسط آسيا، وأخذوا أجزاء من أوروبا الشرقية، فأخذوا يوغسلافيا ورومانيا وبولندا، ووصلوا إلى وسط أوروبا في النمسا، ولولا أن توقفوا على أسوار النمسا وإلّا لوصلوا إلى روما من الطرف الآخر وانتهى العالم الصليبي، ولكن كان قدرًا مقدورًا.
فتوقَّفوا عند فيينا تقريبًا في سنة 1682 [1] ، يعني تقريبًا في القرن السابع عشر، ثم بدأت الحملات الصليبية عليهم، فجالوا عن معظم أراضي يوغسلافيا والبوسنة، وهؤلاء كلهم أسلموا بسبب الفتوحات العثمانيّة.
فبدأ الضعف في المرحلة من (1700 - 1800) م، وفي الفترة (1800 - 1900) م سيطر النصارى واليهود على الخلافة العثمانية، ووضعوا الخليفة في قفصه، ثم جاء الماسونيُّون واليهود ودخلوا إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى في سنة 1914 م، فلما قامت الحرب العالمية الأولى وخسرت ألمانيا خسرت معها الدولة العثمانية، وأعلنت نهاية الخلافة في سنة 1924 م بعد أن قسَّموا كل الولايات العثمانية بين الدول الاستعمارية الرئيسية إنجلترا وفرنسا ثم إيطاليا ثم إسبانيا، فهذه الدول الأربعة تقريبًا تقاسمت ترِكَة الإمبراطورية العثمانية.
ثم بعد الحرب العالمية الأولى تصارعت الدولة الاستعمارية فيما بينها، فنشأت روسيا وأمريكا كدول رئيسية، ثم قامت الحرب العالمية الثانية بين الدول الأوربية نفسها، وأسفرت الحرب العالمية الثانية عن قيام (عصبة الأمم) [2] بين أربعة دول؛ روسيا، أمريكا، فرنسا، بريطانيا.
ثم سيطر الروس والأمريكان فحصدوا الغنائم؛ فمثلًا جزيرة العرب كلها كانت مستعمرة بريطانيّة، هم صنعوها وقسّموها وأوجدوا العائلات المالكة، فبعد أن رتَّب الإنجليز هذه الكعكة الجميلة جاء الأمريكان وأزاحوا الإنجليز وأخذوها، والعراق بعد أن كانت بيد إنجلترا جاء الروس وعملوا فيها أحزابًا وأخذوها بحزب (وارسو) .
فنشأ النظام العالمي ما قبل الجديد الذي تقاسمت فيه روسيا وأمريكا، وهذا كان يجعل شيئًا من الهوامش لمن يريد أن يثور على طواغيت تدعمها روسيا فيلجأ إلى الطواغيت التابعين لأمريكا، ولكن في سنة 1990 م تحطّم النظام العالمي ما قبل الجديد ونشأ نظام القطب الواحد، والذي سنتكلم عنه الآن.
المهم نترك الآن السياسة الدولية ولعلنا نتكلم عنها في محاضرات منفصلة، الآن نتكلم عمَّا يخصُّ العالم
(1) الحصار الأول لفيينا كان في عصر السلطان سليمان القانوني 936 هـ (1529 م) ، والحصار الثاني كان عام 1094 هـ (1682) وبفشله كان بداية انحسار الدولة العثمانية وضعفها أمام الأوربيين.
(2) كان قيام (عصبة الأمم) بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1920، وبعد الحرب العالمية الثانية 1946 م أُنشئت (الأمم المتحدة) ليُستعاض بها عن عصبة الأمم.