فنرجع إلى الحملة الصليبية الأولى: الحملة الصليبية الأولى كانت في القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر، يعني 200 سنة، النصارى منذ أن انتصر الإسلام واكتسح الإمبراطورية البيزنطية وهم في أحقاد صليبية على المسلمين، وحاولوا أن يدخلوا جزيرة العرب ويأخذوا مقدسات المسلمين الثلاثة، مكة والمدينة والقدس التي يعتبرونها عاصمة النصارى، حيث يزعمون أنّ فيها الصليب المقدَّس الذي في كنيسة القيامة والذي يزعمون كذبًا أن المسيح صُلب عليه.
وكانت هناك عوامل اقتصادية لملوك أوروبا بأن يُسخِّروا هذه الغزوة الصليبية من أجل حل مشاكلهم ومن أجل دفع الغلال التي بدأت تظهر ضدهم، فتوحَّدت الأسباب الدينية مع الاقتصادية مع السياسية وقرّرُوا غزو سواحل الشام وأخذوا القدس، فانطلقت الحملة الصليبية الأولى في سنة 1097 م فاحتُلَّت سواحل الشام والقدس.
نرجع الآن للخريطة التي أمامنا؛ في منطقة رأس البحر المتوسط والتي هي منطقة لواء الأسكندرون أخذوا إمارة سمّوها إمارة الرها [1] ، أخذوها من الأتراك وأهل الشام ثم توجهوا جنوبًا وأخذوا سواحل الشام؛ اللاذقية، طرطوس، طرابلس؛ حمص [2] ، فأخذوا هذه المناطق، وضموا بيت المقدس، وبقي القتال دائرًا بينهم وبين المسلمين حوالي مائة سنة قبل أن تتكون هناك دولة إسلامية مركزية قوية.
وهذه اللفتة تهمّنا؛ لم يكن هناك دولة إسلاميّة قويّة تقود الجهاد ضد الصليبيين بصفتها دولة وحكومة، كما هو حالنا الآن؛ فليس هناك إمارة إسلامية باسمها نقاتل الصليبيين دولة إلى دولة وجيشًا إلى جيش، فكان وضع المسلمين مفرَّقًا ومُمزّقًا إلى ممالك وإمارات وإقطاعيَّات، ولكن مع هذا لم يترك المسلمون الحركات الصليبية تدخل بلا قتال، وهذا الذي يجب أن نفكر به الآن، فكما قاوم المسلمون الصليبيين بدون دولة مركزية نستفيد من طريقتهم وكيف أنّ المسلمين من تلقاء أنفسهم قاوموا كلهم حتى قاوم كل أمير عن إمارته، وكل شيخ عن تلاميذه، وكل زعيم عن أتباعه.
فنشأت حركة مقاومة تلقائية ذاتيّة بفعل أهل الإسلام للصليبيين لمدة 100 سنة، حتى بدأت بدايات إمارة الأتابكة الذين ينحدرون من أصل تركي كردي في الموصل، فتكوَّنت أول مملكة وكان زعيمها عماد الدين زنكي والد نور الدين زنكي، فحرّر إمارة الرها من الصليبيين وبدأت تتكون نواة دولة أو مملكة إسلامية، ثم اتَّجه إلى حلب فأخذها، فامتدت منطقة دولة الأتابكة من شمال العراق إلى الرها ثم إلى أواسط سوريا إلى دمشق.
في تلك الفترة كان في مصر خلافة العُبيديين الفاطميين الإسماعيليين الشيعة الكفّار، الذين أجمع على كفرهم السنة والشيعة؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالأديان القديمة والسحر وتناسخ الأرواح.
(1) الرها هي في الجزرة الفراتية شمال العراق الآن، أما تلك المنطقة فهي أنطاكيا التي احتلها الصليبيون وكوّنوا إمارة أنطاكيا.
(2) لم يدخل الصليبيون حمص.