فقبل الدولة الأيوبية كان العُبيديون قد غلبوا على مصر، وهم مِن القرامطة الإسماعيليَّة والنُّصيرية وهذه الطوائف الملحدة المنحرفة، ففي مرحلة من المراحل سيطروا على مصر والشام وهذه المناطق، ثم انحسروا في مصر، فكان الخليفة الفاطمي في مصر.
فكانت مصر منطقة صراع بين الزِّنكيين المسلمين السُّنَّة الذين يُريدون أن يُسيطروا على مصر لأنهم سُنَّة ولِما فيها من الغِلال والزرع والقوّة، وبين الدولة الرومانية والصليبين يريدون أن يأخذوا مصر حتى يُقوُّوا بها إماراتهم، فكانت مصر منطقة صراع بين الزِّنكيين من جهة والصليبيين المدعومين من البيزنطيين من جهة أخرى.
فأدى الصراع على مصر أن أرسل الأيوبيون قائدًا اسمه أسد الدين شيركوه وهو عم صلاح الدين، فأخذ معه ابن أخته صلاح الدين الأيوبي، فلما توفي أسد الدين في مصر أراد الخليفة الفاطمي أن يخلف من بعده ولدًا صغيرًا يتلاعب به، هكذا ظنّ، فولَّى صلاح الدين إمارة الحجابة في مصر، فصلاح الدين لم يكن كما ما تصوَّر هذا الخليفة الفاطمي، فغزا الصليبين في مناطق جنوب الشام، ثم رجع إلى مصر فعزل الخليفة الفاطمي وألغى المذهب الفاطمي الشيعيّ وأقرّ المذهب الشافعي السنّي، وأقام مملكة عسكرية قويّة وجاهد الصليبيين الذي جاؤوا في الحملات الصليبية الثامنة والتاسعة على مصر. ثم استمر يجاهد الصليبيين إلى معركة حطين. [1]
فبدأ انكسار الصليبيين من الدولة الأتابكيّة الزنكيّة في عصر عماد الدين زنكي ثم ابنه نور الدين زنكي، والتي افرزت الدولة الأيوبية، فبعد أن توفي نور الدين زنكي أخذ صلاح الدين الأيوبي الشام، فوحد الشام ومصر وجاهد الصليبيين ثم أخرجهم من بيت المقدس.
ثم توفي صلاح الدين الأيوبي فجاء أبناؤه وتقاسموا المُلك؛ فتقاتلوا فيما بينهم؛ فجاء أخوه الملك العادل فأراد أن يُصلحهم، فأصلحهم ثم عزلهم جميعًا وأخذ الملك، ثم قسّمه بين أبنائه.
فكان مِن أبناء الملك العادل نجم الدين أيوب في مصر، والصالح إسماعيل في الشام، فالصالح إسماعيل تصالح مع الصليبيين حتى يُقاتل أخاه، وكان معه سلطان العلماء العز بن عبد السلام فخرج عليه وذهب إلى مصر.
المهم فسدت الدولة الأيوبية وخلفها دولة المماليك، ولكن رغم فساد الملوك كانوا يُجاهدون الصليبيين؛ فالدولة الزنكية جاهدت الصليبيين، والدولة الأيوبية جاهدت الصليبيين، والدولة المملوكية جاهدت الصليبيين، وخرج الصليبيون في عهد السلطان الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون من سواحل فلسطين من مدينة عكّا وكان هذا آخر وجود للصليبيين.
ففي عهد هذه الممالك الثلاثة التي تمثل 100 سنة من الصراع في القرن الثاني عشر خرج الصليبيون، ولكن في المائة سنة التي قبلها قاتل المسلمون هكذا بلا دولة؛ بالعشرة وبالعشرين وبالخمسين وبالشيخ وبالوالي.
(1) نشير هنا إلى أن صلاح الدين لم يكن في ذلك الوقت طفلًا صغيرًا بل كان قائد جَرَّب القيادة في زمن عمّه أسد الدين شيركوه وكان يقود نصف جيشه، وكذلك نشير إلى أن صلاح الدين إنما قاتل الحملة الصليبية الثالثة بعد أن فتح القدس، أما الحملات الثامنة والتاسعة فإنما كانت بعد وفاته -رحمه الله-.