والأسباب الداخلية منها ما يتعلق بوضع المسلمين، ومنها ما يتعلق بوضع الإسلاميين ومنها ما يتعلق بوضع الجهاديين، فسأتجاوز الأسباب الداخلية المتعلّقة بوضع المسلمين من ترك الدين والفسوق والعصيان والتقصير، فأترك هذا الآن فليس هو بحثنا.
وهناك أخطاء وأسباب مارستها الحركات الإسلامية من الإخوان والسرورية والتبليغ والصوفية والسلفية؛ أدّت بها إلى مشكلتها هي وإلى مشاكل المسلمين عمومًا، وأيضًا سأتجاوز هذه القضايا من البُعد عن المنهج الصحيح ومداهنة الحكام والتقصير في أمور وترك العقائد.
ولكن سأفصّل في مشاكلنا نحن، مشاكل الحركات الجهادية؛ وهي مجموعة الأخطاء الداخلية، سواء أخطاء في التصور أو أخطاء في العمل أو أخطاء شخصيّة، مارسها الجهاديّون عمومًا فأدّت إلى حالة الفشل والحصار.
وهذه الأسباب الثلاثة ليست هي كل الأسباب فهناك أسباب خارجية، من قصور الناس ومعادات التيارات غير الجهادية للجاهديين، ومن موقف العلماء وموقف الحكومات من النظام العالمي، وهذا كلّه له تفصيل -إن شاء الله- في البحث المكتوب.
ولكن الآن أقول أنّني أريد أن أتكلم بالتفصيل عن الأخطاء التي ارتكبها التيار الجهادي بنفسه وأدّت إلى هذه النتيجة؛ لأن هذه الطريقة بالتفكير هي طريقة صحيحة شرعًا، فالله- سبحانه وتعالى- خاطب الصحابة بعد معركة أحد فقال: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1] ؛ فهناك قصور وهناك تقصير وهناك سنن وهناك أخطاء وقعتم فيها فأدّت لهذه النتيجة.
فالصحابة وهم أكرم الخلق بعد الرسل، والرسول -عليه الصلاة والسلام- فيهم وهو أكرم الخلق إطلاقًا، لم يكونوا مَعفيِّين من أن تجري عليهم السُّنن، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- جُرح في جبينه وكُسرت رباعيته، ثم الصحابة أنفسهم وقع فيهم القتل والجراح، ومع ذلك لم تمر هذه الحادثة نسيًا منسيًا بل سجلها القرآن في عتاب الصحابة وذكر أخطائهم، وسجلتها السيرة بأن الرماة نزلوا وأنهم قصَّروا وأن فلانًا فرّ، ثم جاء القرآن وسجلها درسًا وأرجع القضية لنصابها الصحيح: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} .
فمنهج اتهام النفس واتهام الذَّات ابتداءً مُسجّل في القرآن ومُسجَّل في السنة وفي الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) [2] .
ففي القرآن {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} و في السنة (الكيس من دان نفسه) ، ثم في السيرة والسياسة والتجارب؛ كل الناس تُقيِّم تجاربها وتتقدَّم في المسيرة، فسنحاول أن نطرح هذا المنهج، حيث أنّه في واقع الحركات الجهادية بعد كل هذه الأزمات والمصائب التي نزلت بنا؛ آل وضع الجهاديين وقياداتهم ومفكريهم
(1) سورة آل عمران، الآية: 165.
(2) ضعفه الألباني في (تحقيق رياض الصالحين) ، و (السلسلة الضعيفة) ، و (تخريج مشكاة المصابيح) ، و (ضعيف الترمذي) .