فهرس الكتاب
وجاء ابن لسليمان بن عبد الملك، فجلس إلى جنب طاووس، فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه! قال: أردت أن يعلم أن لله عبادًا يزهدون فيما في يديه.
3.ابن المبارك: وممن كان ينهى عن مداخلة الحكام ويذمها ويزجر عنها عبد الله بن المبارك، ولهذا لما ولي إسماعيل بن علية العشور، أوقال على الصدقات، كتب إلى عبد الله بن المبارك يستمده برجال من القراء يعينونه على ذلك، فكتب إليه عبد الله بن المبارك:
يا جاعل العلم له بازيًا يصطاد به أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونًا به بعدما كنتَ دواءًا للمجانين
أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين
و درسك العلم بآثاره و تركك أبواب السلاطين
تقول أكرهتُ فما حيلتي زل حمار العلم في الطين
4.أحمد بن حنبل: من الذين كانوا لا يأتون الخلفاء والولاة والأمراء، ويمتنع من الكتابة إليهم، ومن أخذ جوائزهم، وينهى أصحابه عن ذلك، ويذم من يفعل ذلك، أحمد بن حنبل رحمه الله.
قال مهنا: سألت أحمد عن إبراهيم بن موسى الهروي، فقال: رجل وسخ. فقلت: ما قولك إنه وسخ؟ قال: من يتبع الولاة والقضاة فهو وسخ.
وقيل لأحمد: وكيع أحب إليك أم يحيى بن سعيد؟ فقال: وكيع. قيل: كيف فضلته على يحيى، ويحيى مكانه من العلم والحفظ والإتقان ما قد علمت؟ قال: وكيع كان صديقًا لحفص بن غياث، فلما ولي القضاء هجره، ويحيى بن معين كان صديقًا لمعاذ بن معاذ، فلما ولي القضاء لم يهجره يحيى.
5.إبراهيم النخعي: لقد جرح النخعي ابن أبي ليلى بقوله: كان صاحب أمراء.
ثانيًا: من أجاز الدخول، والمخالطة، وأخذ الجوائز
ويمثل هذا الفريق من الأئمة المقتدى بهم:
¨ الزهري.
¨ الأوزاعي.
¨ ابن أبي ليلى.
¨ الشعبي.
¨ قبيصة بن ذؤيب.
¨ الحسن البصري.
¨ أبو الزناد.
¨ مالك.
¨ الشافعي.
أجاز هؤلاء وغيرهم كثير الدخول على الحكام، بشروط هي:
1.أن يكون محكمًا لشرع الله.
2.أن يكون الحاكم عادلًا فاضلًا.
3.أن يكون الحاكم راغبًا في دخول الأخيار عليه.
4.أن يستجيب لما يشار به عليه.
5.أن يأمر الداخل بالمعروف وينهى عن المنكر.
6.أن يشفع للضعفاء ويرفع حاجة من لا يستطيع رفعها .
7.أن يحول بين الحكام والمستشارين الفسقة الفجرة.
وأوّلوا الأحاديث والآثار السابقة التي تنهى وتحذر من الدخول على الحكام، أن المراد بذلك الحكام الظلمة الجائرين الفاسقين.
عن ابن عمر رضي الله عنه وقد رأى الناس يدخلون المسجد فقال: من أين جاء هؤلاء؟ قالوا: من عند الأمير. قال: إن رأوا منكرًا أنكروه، وإن رأوا معروفًا أمروا به؟ فقالوا: لا. قال: فما يصنعون؟ قالوا: يمدحونه، ويسبونه إذا خرجوا من عنده. فقال ابن عمر: إن كنا لنعد النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون هذا"."
فإذا توفرت هذه الشروط في الحاكم والعالم جاز الدخول، والأولى عدمه، وليعلم الداخل أنه على خطر عظيم، فإن اختل شرط منها حرم الدخول ومنعت المخالطة، فإن دخل مع ذلك فقد عظم الوزر، وتأكدت المخالطة في الشر.
فما دخل الداخلون من العلماء السابقين على الحكام إلا بعد أن توفرت هذه الشروط، ووثقوا في الإصلاح، وقاموا بالواجب خير قيام، وسنمثل لذلك، حيث لم يكن دخولهم لأغراض شخصية ولا لأهداف مادية.
قال حافظ المغرب ابن عبد البر رحمه الله معلقًا على الأحاديث والآثار التي تنهى وتحذر من الدخول على الحكام: (معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق، فأما العدل منهم الفاضل، فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح أفضل من أعمال البر، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز إنما كان يصحبه جلة العلماء مثل عروة بن الزبير وطبقته، وابن شهاب وطبقته، وقد كان ابن شهاب يدخل على السلطان عبد الملك وبنيه بعده، وكان ممن يدخل إلى السلطان الشعبي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن، وأبو الزناد، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، رضي الله عنهم، وجماعة يطول ذكرهم. وإذا حضر العالم عند السلطان غبًا فيما فيه الحاجة إليه، وقال خيرًا، ونطق بعلم، كان حسنًا، وكان في ذلك رضوان إلى يوم يلقاه، ولكن مجالس الفتنة فيها أغلب، والسلامة فيها ترك ما فيها) .
وقال ابن مفلح رحمه الله معلقًا على قوله صلى الله عليه وسلم:"من أتى أبواب السلطان افتتن":(وهو محمول على من أتاه لطلب الدنيا، لا سيما إن كان ظالمًا جائرًا، أوعلى من اعتاد ذلك ولزمه، فإنه يخاف عليه الافتتان والعجب، بدليل قوله في اللفظ الآخر:"ومن لزم السلطان افتتن".
وخالفهم في ذلك جماعة من السلف منهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم) .
نماذج لمناصحة العلماء لمن كانوا يداخلون من الحكام
سنذكر بعض النماذج للنصائح القيمة التي كان يسديها هؤلاء العلماء الذين كانوا يداخلون الحكام، لتعلم أن مداخلتهم لم تكن لأغراض دنيوية فانية، وإنما لمصالح دينية راجحة.
عطاء بن أبي رباح رحمه الله ينصح عبد الملك بن مروان رحمه الله