فهرس الكتاب

الصفحة 1130 من 1363

فالظلم، سيما ظلم المسلم لأخيه المسلم، وتعديه على ماله، ودمه، وعرضه، من أقوى أسباب الخذلان، فكم دولة زالت وكم حاكم ذل بسبب الظلم والتعدي على حقوق الآخرين، فإذا دعتك أخي الكريم قدرتك على ظلم غيرك فتذكر قدرة الله عليك، وأن الله يمهل ولا يهمل، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله يملي الظالم، فإذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ:"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى".

كتب عامل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله: إن مدينتنا احتاجت إلى مرمة؛ فكتب إليه عمر: حصِّن مدينتك بالعدل، ونق طرقها من المظالم.

قال بعض الحكماء: أعجل الأمور عقوبة وأسرعها لصاحبها سرعة ظلم من لا ناصر له، ومجاورة النعم بالتقصير، واستطالة الغني على الفقير.

ذكر الذهبي في الكبائر له: (لما حبس خالد بن برمك وولده، قال له ولده: بعد العز صرنا في القيد والحبس؟ فقال: أي بني، دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها) .

وقال أبو الفداء بن عقيل الحنبلي: (حكي أن بعض الوزراء ظلم رجلًا، فقال له الرجل: اتق الله، وكفَّ عني، وإلا دعوتُ الله تعالى عليك؛ فقال الوزير: ادع بما شئتَ؛ فما مضت أيام حتى قبض الوزير وعذب، فكتب إليه الرجل بهذين البيتين:

سهام الليل لا تهدأ ولكن لها أجل وللأجل انتهاء

أتهزأ بالدعاء و تزدريه تأمل فيك ما فعل الدعاءُ؟!

وأخيرًا أحب أن أختم حديثي هذا بأبيات من الشعر رُثيت بها الأندلس، والخلافة العثمانية عند ضياعهما من المسلمين، أتمثل بها، ولم أتمن أن أكون شاعرًا إلا عند سقوط بغداد واحتلال الصليبيين لها، لأرثيها كما رثى أبو البقاء الرندي الأندلسي وأحمد شوقي الخلافة العثمانية، وإن كان الرثاء لا يجدي ولكنه يسلي النفس، ويذكر القادمين بما حل بأسلافهم، ويحفز الجادين على العمل.

قال الرندي رحمه الله يرثي الأندلس في قصيدة تربو على الخمسين بيتًا، مطلعها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

نختار منها بعض الأبيات:

هي الأمور كما شاهدتَها دول من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانُ

و هذه الدار لا تبقى على أحد ولا يدوم على حال لها شان

فجائع الدهر أنواع منوعة وللزمان مسرات وأحزان

و للحوادث سلوان يسهلها وما لما حل بالإسلام سلوان

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له هوى له أحد و انهد ثهلان

أصابها العين في الإسلام فارتزأت حتى خلت منه أقطار وبلدان

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خالية قد اقفرت و لها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس و صلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان

يا غافلًا وله في الدهر موعظة إن كنتَ في سنة فالدهر يقظان

تلك المصيبة أنست ما تقدمها و ما لها من طول الدهر نسيان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى فما يهتز إنسان؟

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم و أنتم يا عباد الله إخوان؟

ألا نفوس أبيّات لها همم أما على الخير أنصار و أعوان؟

يا من لذلة قوم بعد عزهم أحال حولهم جور و طغيان

لمثل هذا يذوب القلب عن كمد إن كان في القلب إسلام و إيمان

أما أمير الشعراء شوقي فقد رثى الخلافة العثمانية عند سقوطها قائلًا:

عادت أغاني العرس رجع نواح و نعيتِ بين معالم الأفراح

كُفنتِ في ليل الزفاف بثوبه و دفنتِ عند تبلج الإصباح

شُيعتِ من هلع بعبرة ضاحك في كل ناحية و سكرة صاح

ضجت عليك مآذن و منابر و بكت عليك ممالك و نواحي

الهند والهة و مصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحَّاح

والشام تسأل و العراق و فارس أمحا من الأرض الخلافة ماح؟

نسأل الله أن يغفر لأحمد شوقي بهذه الأبيات تطاوله على السلطان عبد الحميد رحمه الله في أبياته الظالمة المتعدية على هذا السلطان، التي مطلعها:

عبد الحميد حساب مثلك في يد الملك القدير

لقد صمد السلطان عبد الحميد صمودًا لو صمده الحكام بعده لما ضاعت فلسطين، ولما قضى على دولة الطالبان، ولما سقطت بغداد، لقد ضحى بملكه وبسلطانه العريض، ولو سمح لليهود بإقامة وطن في فلسطين لبقي حكمه وسلطانه، ولكنه آثر الآخرة على الدنيا، والباقية على الفانية، لقد أغرى اليهودُ السلطانَ عبد الحميد مقابل السماح لليهود بإقامة وطن في فلسطين بإغراءات كثيرة، منها:

1.إقراض الخزينة العثمانية أموال طائلة.

2.تقديم هدية خاصة للسلطان مقدارها خمسة ملايين ليرة ذهبية.

3.تحالف سياسي يوقفون بموجبه حملات الدعاية السيئة التي ذاعت ضده في صحف أوروبا وأمريكا.

لكن السلطان ركل كل ذلك، وطرد الوسطاء من مجلسه، وأصدر أمرًا بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين، وساعتئذ قرروا عزله، والقضاء على الخلافة، ليأتوا ببدائل تمكنهم من تنفيذ هذا المخطط الخبيث الذي أكرم السلطان أن يكون عليه وزر منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت