فهرس الكتاب
إذن ، فنعمة اللسان من أجلَّ النعم،ومن أكبر المنن الإلهية علينا. فهل حافظنا عليها ؟هل استخدمناها في الخير وجنبناها الزور والواقعية في أعراض العلماء وغير العلماء ؟
إن النصوص تدل على خطورة أمر هذه الجارحة ، وفداحة الخسارة الناجمة عن التهاون في حفظها ، قال الله - تعالى - في شأن الإفك: { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } . [ سورة النور ، الآية:15 ]
وقال - تعالى - في المنافقين: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } . [سورة الأحزاب ، الآية: 19 ]
وقال- تعالى -: { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وتصِفُ ألْسِنَتُهم الكذب أنَّ لهم الحسنى } . [ سورة الفتح ،الآية:11]
ولذلك جاء الأمر بحفظ اللسان ، والتحذير من إطلاق العنان له:
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } . [سورة الأحزاب ، الآية: 70 ]
{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } . [سورة ق ، الآية 18]
{ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . [ سورة الإسراء ، الآية: 36 ]
وفي الحديث الذي رواه الترمذي: (( وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ).
ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الحديث المتفق على صحته: (( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذية ؛ أضمن له الجنة ) ). رواه البخاري
إن كثير من الناس - وبخاصة الطيبون المستقيمون - يضمنون ما بين الفخذين، وهذه نعمة عظيمة، وفّقهم الله- تعالى - إليها .
ولكن ... هل نحن نضمن ما بين اللحيين؟هل يمر علينا يوم بدون أن نقع في عرض مسلم ،عالمًا كان أو غير عالم ؟! ليحاسب ْ كلُّ امرئ نفسه، وليناقشها في ذلك الأمر الخطير ؛ لكي نصحح أوضاعنا في هذا الجانب ؛ امتثالًا لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) ). متفق عليه ؛
وحذرًا من الوعيد في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) ). متفق عليه
وما أحكم قول الشاعر:
يُصاب الفتى من عثرةٍ بلسانه وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته في القول تذهب رأسه وعثرته بالرجل تبرأ على مهل
وقول الآخر:
احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعانُ
وقول الآخر:
الصمت زين والسكوت شجاعة فإذا نطقت فلا تكن مكثارًا
فإذا ندمت على سكوتك مرة فلتندمن على الكلام مرارًا
قال حاتم الأصم: ( لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك ؛ لاحترزت منه،وكلامك يعرض على الله- جل وعلا- فلا تحترز) .
* وههنا أمر لابد من إبرازه:
لئن كانت غيبة العلماء من أشد وأقبح أنواع الغيبة ، فإن هذا لا يعني أن لحوم غيرهم من الناس مباحة ، بل هي محرمة كذلك ؛ قال تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضًا أيُحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه } . [سورة الحجرات ، الآية: 12 ]
وقال- سبحانه - { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانًا وإثمًا مبينًا } . [ سورة الأحزاب ، الآية: 58]
ويقول (صلى الله عليه وسلم) مبينًا ذلك: (( كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله ) )رواه مسلم.
وقال (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع: (( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا..ألا هل بلغت ) ). متفق عليه.
وقال عليه الصلاة والسلام: (( أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ! قال: ذكرك أخاك بما يكره !! قيل: أ رأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ) ). رواه مسلم.
وفي سنن أبي داوود عن أنس - رضي الله عنه - قال: قالَ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم . فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) ). فكيف بالذي يقع في أعراض العلماء؟ ! أنه انتهاك بشع
ولابن القيم - رحمه الله- كلام نفيس في هذا المعنى ، خليقٌ أن يكتب بماء العيون ؛ لأنه ينطبق بدقة على حال كثير من طلاب العلم ، يقول: ( وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول ) .
بعد هذه المقدمات المهمة ندلف إلى صلب الموضوع، وأول قضية سنبحثها هي:
أسباب أكل لحوم العلماء
1-الغَيرَة والغِيرة:
أما الغَيرَة -بالفتح - فهي محمودة ، وهي أن يغار المرء وينفعل من أجل دين الله، وحرمات الله - جل وعلا- لكنها قد تجر صاحبها - إن لم يتحرز- شيئا فشيئًا حتى يقع في لحوم العلماء من حيث لا يشعر .