فهرس الكتاب
أدرك العلمانيون - أخزاهم الله - أنه لا يمكن أن تقوم لهم قائمة، والعلماء لهم وشأن هيئة وهيبة في
البلد فأخذوا في النيل من العلماء، وشرعوا في تشويه صورة العلماء، وتحطيم قيمتهم، بالدس واللمز، والافتراء والاختلاف . لا أقول هذا جزافًا ولا رجمًا بالغيب ، ولكن هو ما نقله إلينا الثقات من العلمانيين ،من كلام في العلماء لا يقبله عقل العاميّ ، فضلًا عن طالب العلم .
وسيأتي مزيد بيان وتوضيح لهذه القضية قريبًا .
الآثار المترتبة على الوقيعة في العلماء:
إنّ هناك عواقب وخيمة ، ونتائج خطيرة ، وآثارًا سلبية ، تترتب على أكل لحوم العلماء؛ والوقوع في أعراضهم . يدرك تلك الآثار من تأمل في الواقع ، ووسع أفقه ، وأبعد نظره ، وإليك أهمها:
1-إن جرح العالم سبب في رد ما يقوله من الحق:
إن جرح العالم ليس جرحا شخصيًا، كأي جرح في رجل عامّي ، ولكنه جرح بليغ الأثر ، يتعدى الحدود الشخصية ، إلى رد ما يحمله العالم من الحق .
ولذلك استغل المشركون من قريش هذه الأمر ، فلم يطعنوا في الإسلام أولًا ، بل طعنوا في شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) ؛ لأنهم يعلمون - يقينًا - أنهم إذا استطاعوا أن يشوهوا صورة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أذهان الناس ؛ فلن يقبلوا ما يقوله من الحق، قالوا: إنه ساحر، كاهن ، مجنون ولكنهم فشلوا - ولله الحمد - في ذلك .
وقد كانوا قبل بعثته يصفونه بالأمين، الصادق ، الحكم ، الثقة. فما الذي تغير بعد بعثته ؟ ما الذي حوله إلى كاهن، مجنون ، ساحر؟ إنهم لا يقصدون شخص محمد بن عبد الله ، فهم يعلمون أنه هُو هُوَ، ولكنهم يقصدونه بصفته رسولًا يحمل منهجًا هم يحاربونه ، فيعلموا أنهم إن استطاعوا تشويه صورته في نفوس الناس ؛ فقد نجحوا في صدهم عنه، وعما معه من الحق . هذا هو أسلوب المنافقين اليوم .
2-أن جرح العالم جرح للعلم الذي معه وهو ميراث النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ إذ العلماء ورثةُ الأنبياء، فجرح العالم جرحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا هو معنى قول ابن عباس: ( أن من آذى فقيها فقد آذى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آذى الله - جل وعلا - )
إذن ، فالذي يجرح العالم ؛ يجرح العلم الذي معه.
ومن جرح هذا العلم ؛ فقد جرح أرث النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر.
3-أن جرح العلماء سيؤدي إلى بعد طلاب العلم عن علماء الأمة، وحينئذ يسير الطلاب في طريقهم بدون مرشدين ؛ فيتعرضون للأخطار والأخطاء ، ويقعون في الشطط والزلل ، وهذا ما نخشاه على شبابنا اليوم .
4 -أن تجريح العلماء تقليل لهم في نظر العامة، وذهاب لهيبتهم ، وقيمتهم في صدورهم ، وهذا يسُرُّ أعداء الله ، ويفرحهم . يقول أحد الزعماء الهالكين في دولة عربية بعد أن سلط إعلامه على العلماء مستهترًا مستهزئا بهم -: ( عالم .. شيخ .. أعطه فرختين ؛ فيفتي لك بالفتوى التي تريد ) .
لقد سقطت قيمة العلماء عند العامة، في كثير من الدول الإسلامية . ذهبت إلى بعض تلك الدول وسألت عن العلماء ، فما وجدت الناس يعرفون العلماء ، ولا يأبهون للعلماء ؛ لأن العلمنة سلطت سهامها عليهم ، فشوهت صورتهم ، ولطخت سمعتهم ؛ فأصبحوا من سقط المتاع ، في نظر كثير من الناس .
5 -تمرير مخططات الأعداء:
ومن الأمثلة الواقعية لذلك: الطعن في رجال الحُسْبة ، والطعن في القضاة ، والطعن في الدعاة .
* أما رجال الحسبة فكثير منهم طلاب علم ، وقد أصبحت أعراضهم ودماؤهم مستباحة، فتجد العامة والمنافقين والعلمانيين،يستطيلون في أعراضهم بل ربما وقع ذلك من بعض طلاب العلم، تجلس في بعض المجالس فتسمع الكلام السيئ في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أخطأ رجال الهيئة فعل رجال الهيئة.... ترك رجال الهيئة ، سبحان الله ! أما يخطئ إلا رجال الهيئات!لماذا لا تذكر أخطاء غيرهم ؟!
اطلعت قريبًا على فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ينبه فيها إلى خطورة
التعرض لطلاب العلم . وقصتها أن مجموعة من طلاب العلم اشتكوا أحد المسئولين- ويبدو أنهم زادوا في الشكوى- فأهينوا وسُجنوا . لكن هل سمعتم أن أحدًا سجن لأنه تكلم في أعراض رجال الحسبة !!
لقد جاءني بعض شباب الهيئات ، يشتكون من تطاول الناس عليهم ، وعدم وجود من يحميهم ، حتى أصبحوا هم المتهمين .
ومع ذلك نجد بعض المحسوبين على الدعاة وطلبة العلم ، يستمرئون ركوب الموجة الخبيثة ، التي تهدف إلى محاربة الهيئات والقضاء عليها ، من حيث لا يشعرون .
إننا لو ذهبنا نحصي أخطاء الآخرين من غير رجال الهيئات لوجدنا أخطاءهم أضعاف أخطاء رجال الهيئات ، ولكنها قالّةُ سوءٍ روج لها الحاقدون ، وساعدهم عليها المغفلون .