فهرس الكتاب
* أما القضاة فهم كذلك ، يتعرضون للطعن فيهم ، وأكل لحومهم ، فإنك تجد كثيرًا من الناس ، يرددون أن القاضي الفلاني فيه كذا، القاضي الفلاني فعل كذا، القاضي الفلاني اشترى أرض كذا، والقاضي الفلاني اشترى السيارة الفاخرة ، القاضي الفلاني يؤخر المعاملة ، حتى قال قائلهم: نحن لسنا بحاجة إلى القضاة وتعقيداتهم ، القانون الفرنسي أرحم لنا منهم .
سبحان الله !! هل الخطاء خاص بالقضاة وغيرهم ملائكة !! إنها حملة مقصودة ، ينفخ فيها الضالون؛ من أجل تحطيم القضاء الشرعي.
وأنا حين أذكر ذلك لا ألقي بالقول على عواهنه ، وإنما أتكلم عن واقع ، فهناك من يُطالب بالقانون الفرنسي ، وما نظام المرافعات الذي ألغي - ولله الحمد- إلا مثال لذلك ، وقد كان على وشك التطبيق، ولا يسعنا إلا أن نشكر من كان سببًا في إلغائه .
إن نظام المرافعات مأخوذ من النظام المصري بحروفه ، والنظام المصري مأخوذ من القانون الفرنسي .
والحمد لله الذي وفق العلماء ، وطلاب العلم ، لتدارك هذا الأمر، ووفق ا المسئولين للاستجابة .
* وأما الحديث عن الدعاة فحدث ولا حرج ، لقد وصم الدعاة بألقاب لم نكن نعرفها، وصفوا بالمتطرفين ، ووصفوا بالمتزمتين، و... و... إلى آخر القاموس الظالم، الذي سلطه الحاقدون على الدعاة؛ تشويهًا لسمعتهم ؛ وتبشيعًا لواقعهم في عقول الناس .
كل تلك الحملات الشعواء على العلماء وطلاب العلم والقضاء والمحتسبين والدعاة ؛ تؤدي إلى تمرير مخططات الأعداء ، وتحقيق أهدافهم . فاليقظة اليقظة .
المنهج الصحيح والعلاج الناجح لهذه القضية
وبعد أن عرفنا الآثار المترتبة على أكل لحوم العلماء ، ننتقل إلى بيان المنهج الصحيح ،ووصف العلاج الناجح تجاه تلك القضية ، وذلك في نطاق آفاق ثلاثة:
1-ما يجب على العلماء في هذا المجال .
2-ما يجب علينا تجاه العلماء .
3-السبيل السليم لبيان الحق ، بدون الوقوع في العلماء .
أولًا: ما يجب على العلماء:
إن على العلماء أن يحُموا أنفسهم ، ويسدوا الذرائع المفضية إلى أكل لحومهم . وقدوتهم في ذلك محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: (( على رسلكما . إنها صفية ) )هكذا دافع المصطفى عليه الصلاة والسلام عن نفسه وحمى عرضه ، مع أن الموقف مع صحابته الأطهار الأخيار، حتى لقد استغربوا من قوله، فبين لهم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
ويمكن بيان كيفية حماية العلماء لأنفسهم في الأمور التالية:
1-أن يكون العالم قدوة في علمه وعمله: ومن هنا جاء في القرآن التحذير من تخالف العلم والعمل، قال تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [سورة البقرة ، الآية: 44 ]
وقال - جل شأنه -: { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون . كبُر مقتًا عند الله أن تقولون مالا تفعلون } ، [سورة الصف ، الآية:2 ]
وحديث الذي يدور في النار كالحمار ، مشهور معروف وصدق الشاعر حيث يقول:
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
لا تنه عن خلق وتأتي غيره عار عليك إذا فعلت عظيم
2 -أن يتثبت العالم في الفتوى ويكمل شروطها:
فإذا طُلب من العالم أن يفتي في أمر ما ، فعليه أن يتأمل ويتأني ، ويتتبع أسباب الاستفتاء ، والآثار المترتبة على فتواه ، والمراد الحقيقي من هذه الفتوى، ثم يُفتي بعد أن يستكمل شروط الفتوى: من فقه الأصول ، وفقه الفروع ، وفقه الواقع.
ولا يصح أن يكتفي العالم بأن يُقال له: الأمر كيت وكيت . ثم يبني فتواه على ما قيل له ، بدون تثبيت وتأكُّدٍ وتتبع ؛ فيعرض نفسه للألسنة لتقع فيه ، وتنال منه ، بسبب تعجله وعدم تحريه .
3-أن يحذر العالم من الاستدراج، والاستغفال والتدليس:
هناك من يستدرج العلماء، وهناك من يستغفلهم ، هناك من يُلبّس عليهم، ولذلك يجب على العالم أن يكون فطنًا متنبهًا ، كما قال عمر - رضي الله عنه-: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني ) . وهذا لا ينافي سلامة القلب ، والأخذ بالظاهر ، ولكنه يعني الحيطة والحذر .
4-أن يكون جريئا في الحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم:
جرأة في الحق من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم، بحيث ينكر المنكر ، ويأمر بالمعروف ، ويقول للمسيء: أسات . كائنًا من كان ذلك المسيء . وللعلماء اليوم أسوةٌ فيمن سلف من علماء الأمة .
ولْنَسُقْ هنا ثلاثة أمثلة للجرأة في الحق ، من عصور مختلفة:
المثال الأول: موقف أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه - مع مروان بن الحكم ، عندما دخل مروان المصلي في يوم العيد ، واتجه إلى المنبر ليخطب قبل الصلاة ، فجذبه أبو سعيد ، وقال منكرًا عليه: غيرتم والله . فقال مروان: قد تُرك ما هنالك .
هكذا أنكر عليه علانية ولم يقل: أكتُبُ له الإنكار في ورقة ، ليكون نصيحة سرية بيني وبينه
المثال الثاني: موقف العز بن عبد السلام ( سلطان العلماء ) مع الملك الصالح أيوب .