فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 1363

كان الملك الصالح أيوب يتولى الشام ، وبسبب خلاف بينه وبين أبناء عمه تنازل للنصارى عن بعض الحصون.

فلما خطب العز بن عبد السلام في جامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة كان مما قال: ( اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا ، يُعز فيه أهل طاعتك ، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهي فيه عن المنكر ) . وأفتي الناس بعدم جواز بيع الأسلحة للنصارى الذين أخذوا يشترونها من دمشق .

فغضب الملك ، سجن العز بن عبد السلام ، ومنْ قبله سُجن الإمام أحمد ، وكثير من العلماء: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } . [سورة العنكبوت ، الآية: 2]

ثم أرسل الملك إلى العز في السجن أحد أعوانه وحاشيته ، فقال له: أنا سأتوسط لك عند الملك ليخرجك ، ولكني أريد منك شيئا واحدًا فقط ، وهو أن تعتذر إلي الملك وتقّبل رأسه. فقال العز: دعك عني ،والله لا أرضي أن يقبل السلطان يدي ،عافاني الله مما ابتلاكم به ، يا قوم أنا في واد و أنتم في واد.

ذهب الملك لمقابلة قادة النصارى ، فأخذ معه العز بن عبد السلام ، وسجنه في خيمة ، وبينما كان الملك جالسًا مع النصارى، إذا بالعز بن عبد السلام يقرأ القرآن ، ويصل صوته إليهم ،

فقال الملك: أتدرون من هذا الذي تسمعون ؟

قالوا: لا .

قال: هذا من أكبر قساوستنا - ولم يقل: علمائنا -

أتعلمون لماذا سجنته ؟ قالوا: لا .

قال: لأنه أفتى بعدم جواز بيع السلاح لكم .

فقال النصارى: والله لو كان هذا قسيسا عندنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها.

فخجل الملك وأطرق ، وأمر بالإفراج عن العز بن عبد السلام.

المثال الثالث: موقف الشيخ الخضر حسين شيخ الأزهر مع محمد نجيب - إذ عندما قامت الثورة في مصر، قال محمد نجيب: سنساوي الرجل بالمرأة.

فاتصل به الشيخ الخضر حسين ، وقال له: إما أن تتراجع عن قولك ،أو لأخرجن غدًا لابسًا كفني - ومعي جميع الأزهريين - في الشوارع ، فإما الحياة ، وإما الموت.

فجاءه محمد نجيب وجاءته الوزارة مرددين: يا شيخنا،يا إمامنا ، نحن نعتذر منك،والكلام كان خطأ.

فقال الشيخ: لا تعتذروا لي ، وإنما أعلنوا الاعتذار للعامة.

فقالوا: صعب جدًا أن نعتذر أمام العامة .

فقال: إما أن تعتذر يا محمد نجيب أمام الناس عن كلامك وتنفيه،أو سأخرج للشارع غدًا لابسًا كفني.

فأعلن محمد نجيب من الغد أن الصحافة كذبت عليه، وأنه لم أقل شيئا مما نشرت عنه .

هكذا يُملي العلم ُ والإيمان على العالم الجرأة في الحق ، فلا تأخذه في الله لومة لائم، فيبرئ ذمته، ويحمي عرضه من أن يجعله الناس هدفًا ، يصوبون إليه سهامهم .

وإقحام ( خوف الفتنة ) تبريرًا لكل موقف تنقصه الشجاعة في الحق أمر فيه نظر .

ثانيًا: ما الواجب علينا اتجاه علمائنا:

1-أن نحفظ للعلماء مكانتهم و فاعليتهم في قيادة الأمة وأن نتأدب معهم:

إن في معاملة السلف لعلمائهم لقدوةً لنا ، يجب الإقتداء بها ن وإن فيما سطّروه من بيان ٍ لآداب طالب لنورًا ، ينبغي لشُداةِ العلم أن يستنيروا به في طريق الطلب .

قال العراقي: (لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء ) .

وقال ابن الشافعي: ( ما سمعت أبي ناظر أحدًا قط فرفع صوته ) .

وقال يحيى بن معين: ( الذي يحدث في بالبلد وفيها من هو أولى منه بالتحديث فهو أحمق ) .

وقال الصُّعلوكيّ: ( من قال لشيخه: لم - على سبيل الاستهزاء - لم يفلح أبدا ) .

وتأدب ابن عباس - رضي الله عنه - مع عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه - حيث مكث سنة يريد أن يسأله عن مسألة من مسائل العلم ، فلم يفعل .

وقال طاووس بن كيسان: ( من السُّنة أن يُوقر العالمُ ) .

وقال الزهري: ( كان سلمةَ يماري ابن عباس ؛ فحُرم بذلك علمًا كثيرًا ) .

وقال البخاري: ( ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين ) .

وقال المغيرة: ( كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير ) .

وقال عطاء بن أبي رباح: ( إن الرجل ليحدثني بالحديث، فأنُصت له كأني لم أسمعه أبدًا . وقد سمعته قبل أن يولد ) .

وقال الشافعي: ( ما ناظرت أحدًا قط إلا وتمنيت أن يجري الله الحق على لسانه) .

ذُكر أحد العلماء عند الإمام أحمد بن حنبل - وكان متكئًا من علة - فاستوى جالسًا وقال لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ .

وقال الجزري: ( ما خاصم ورع قط ) .

وبمثل هؤلاء يحسن الإقتداء { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } . [ سورة الأنعام ، الآية: 90 ]

2-أن نعلم أنه لا معصوم إلا من عصم الله ، وهم الأنبياء والملائكة.

وعلى ذلك فيجب أن ندرك أن العالم معرضٌ للخطأ ، فنعذره حين يجتهد فيخطئ ، ولا نذهب نتلمس أخطاء العلماء ونحصيها عليهم .

ولقد كان سلف الأمة - رحمهم الله - يستحضرون هذا الأمر ، ويفقهونه حقَّ الفقه .

قال الإمام سفيان الثوري: ( ليس يكاد يثْبُتُ من الغلط أحد ) .

وقال الإمام أحمد: ( ومن يعرى من الخطأ والتصحيف !! ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت