فهرس الكتاب

الصفحة 1145 من 1363

ا المتأمل في واقع بعض طلاب العلم يجدهم إما أن يأخذوا كل ما يقوله العالم، أو يردُّوا كل ما يقوله، وهذا خلاف ما أمر الله - تعالى - به من العدل والإنصاف ، قال تعالى: { ولا يَجْرمَنَّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [ سورة المائدة ، الآية: 8 ]

والعدل الإنصاف هو منهج أهل السنة والجماعة ،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض ) .

والعدل والإنصاف مع العلماء يتضمن أمورًا:

أ- الثناء على العالم بما هو أهل له .

ب- عدم التجاوز في بيان الخطأ الذي وقع فيه , فإذا وقع أحد العلماء في خطأ، وأردت أن تبين خطأه، فلا تذهب تُحصي جميع أخطائه ، وتستطيل في عرضه ،وإنما احصر حديثك في القضية التي تريد بيان الحق فيها ، ولا تتجاوزها ، وإياك أن يستجرك أحد إلى تجاوزها .

5 -أن نسلك منهج رجال الحديث في تقويم الرجال:

إن على منْ يتصدى لبيان الحق في مسألة أخطاء فيها أحد العلماء ، أن يسلك المنهج الدقيق المنصف الذي رسمهُ رجال الحديث - رحمهم الله - وثمة رسالة جملية مختصرة ،صغيرة في حجمها، كبيرة في قيمتها ، تبين هذا المنهج ، وعنوانها:منهج أهل السنة والجماعة في تقويم الرجال ومؤلفاتهم/ للشيخ: أحمد الصويان . فأحيل القارئ الكريم إليها , ففي النهر ما يعني عن الوشل .

6-أن نعلم أن خطأ العالم على نوعين: خطأ في الفروع ، وخطأ في الأصول .

* أما مسائل الفروع فهي مسائل اجتهادية ، يجوز فيها الخلاف ، فإذا أخطاء فيها العالم ؛ بيّناّ خطأه فيها ، بدون تعرض لشخصه .

* وأما مسائل الأصول ( العقيدة ) ، فيبيَّن القولُ الصحيح فيها ، ويحذر من أهل البدع في الجملة، وينبه إلى خطورة الداعي إلى بدعته ، بدون إفراط ولا تفريط.

يقول شيخ الإسلام: ( أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض ) ، فالمبتدعة يأكل بعضهم لحوم البعض، وكل فئة تغمط الأخرى حقَّها،وأما أهل السنة فينصفون ،حتى مع الكفار،فضلًا عمَّن كان مخطئًا خطأ ً دون الكفر .

إن بعض الناس اليوم يميلون ميلا ً عظيمًا عن طريق أهل السنة والجماعة في هذا الباب،فقد

استمعت منذ فترة إلى قصة مؤلمة محزنة، أوهي أن نفرًا اتهموا احد الدعاة بأخطاء في العقيدة، ولم يقتصروا على بيان أخطائه العقدية ، بل مضوا يذكرون عنه قصصًا شخصية في بيته: عن زوجته ، وعن بنته ، وعن أولاده . سبحان الله ! لماذا الحديث عن وزوجته ابنته وأولاده؟! ما الداعي للطعن في شخصه ؟! حقًا أننا لا نحث على السكوت عن الخطأ ، ولكننا ندعو إلى الأسلوب الصحيح ، لبيان الحق ، وتوضيح الخطأ .

7-أخيرا ، إذا أمكن الاتصال بمن وقع منه الخطأ- سواء في الأصول أو الفروع، لعله يرجع إلى الصواب ، فهذا أولى .

لأن الحق هو المقصود، وفي رجوع المخطئ بنفسه عن قوله وإعلانه ذلك للناس خير كثير؛ لأنك إن رددت عليه ، وبينت الحق ؛ فقد يقتنع نصف الناس، وإما إذا رجع هو بنفسه بعد مناصحتك له ، وتخويفك إياه بالله ؛ فسيقتنع كل الناس الذين أخذوا بقوله .

ومما يذكر في هذا المقام أن اثنين من العلماء اختلفا في مسألة ، فلم يذهب كل واحد منهما يخطئ صاحبه عند الناس ، بل اجتمعا وتناظرا ، فكانت نهاية المناظرة أن أخذ كل واحد منهما بقول الآخر ؛ لأن مرادهما هو الحق

وفي الختام ...

هناك أمور لابد من بيانها:

أولًا - أننا لا ندعو إلى تقديس الأشخاص ، أو التغاضي عن الأخطاء ، أو السكوت عن الحق. بل ندعو إلى المنهج الصحيح في بيان الحق، بدون انتهاك لأعراض العلماء. فلا إفراط ولا تفريط ،ولا غلو ولا جفاء.

ثانيًا - انطلقت في الأيام الماضية دعوى الإجماع ، ولقد وردتني أسئلة كثيرة تقول: فلان يخالف إجماع العلماء، فلان يخالف ما أجمع عليه العلماء ، يُريد أن يحدث فتنة.

وأقول لهؤلاء: إن الإجماع ليس بالأمر اليسير ، هناك فرق كبير جدًا بين الإجماع والاجتماع.

ا لإجماع - كما بينه العلماء-: هو أن يُجمع علماء الأمة المعتدُّ بهم في عصر من العصور على مسألة من المسائل . ولو خالف واحد منهم ؛ لم ينعقد الإجماع.

ا ليس لإجماع إجماع علماء بلد فقط ، بل هو إجماع علماء الأمة المعتد بهم في مشارق الأرض أو مغاربها .

إذن ، فالإجماع له ضوابط و شروط، وليس أمرًا هينًا . ولذلك قال بعض العلماء: أن الإجماع لم ينعقد بعد الصحابة .

فليتريث الذين يدعون الإجماع ، وليعلموا أن العبرة ليست بكثرة القائلين بقول ما وإنما العبرة بصحة القول المقرون بالدليل .

ثالثًا - قد يفتي بعض العلماء بفتوى لها أسبابُها، فيخالفهم فيها آخرون من العلماء أو طلبة العلم، فيُطْعن ُفي المخالف ، ويُتّهم بإثارة الفتنة ، وحب الظهور ، وسرقة الأضواء ، وقلة العلم ....إلخ .

وهذا تصرف غير سليم ، فعلينا أن ننتبه ، في هذا الأمر ، لما يأتي:

( أ ) أن كلا ًّيؤخذ من قوله ويُرد ، إلا الرسول (صلى الله عليه وسلم) وما جاء به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت