فهرس الكتاب
(ب) أن المخالفيِن علماءُ، كما أن المخالَفين علماءُ، فيجب تقدير المخالفين، وحفظ أعراضهم، وعدم
أكل لحومهم .
( ج ) أن نعلم أن الرجال يعرفون بالحق ، وليس الحق يعرفُ بالرجال.
( د ) أن نتثبت من صحة الفتوى واكتمال شروطها عند كل فريق من الفريقين ، فالمهم هو صحة
الفتوى، واكتمال شروطها ، بغض النظر عن الفريق الذي صدرت منه من الفريقين .
( هـ ) أن مسائل الاجتهاد يسوغ فيها الخلاف،ولقد وقع الخلاف بين الصحابة في فهم قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قُريضة ) ). رواه البخاري .
ووقع الخلاف بينهم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، لكن ذلك لم يؤد بهم إلى الفتنة وطعن في الأعراض .
فيجب إذن ، ألا نضيق على أنفسنا ، وأن تتسع صدورنا للخلاف في المسائل الاجتهادية .
( و ) أن المخالفة ليس خطأ ، ولا عبرة هنا بصغر سنّ المخالف أو كبره ، بل العبرة بتوافر شروط
الفتوى ، ولم يزل العلماء قديمًا وحديثًا يُخالف صغيرهم كبيرهم، وقد يكون الحق مع الصغير .
ومن أمثلة ذلك أن ابن تيمية- رحمه الله - خالف علماء بلده ممن هو أكبر منه سنًا، وثبت أن الحق معه .
• ومن الأمثلة - كذلك - أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - خالف سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في حياته في فتوى أفتى بها ، ولم يقل الشيخ محمد: من أنت حتى تخالفني ، وهذا دليل على رسوخ علم الشيخ محمد - رحمه الله - وما قال الناس ذلك . وكان الراجح هو قول الشيخ عبد العزيز .
رابعًا - لماذا تبرز أخطاء العلماء أكثر من غيرهم ؟
السبب في ذلك هو أن العلماء هم صفوة الأمة ، وخيارها وقدوتها ، وأحمدُها سيرةً ، فإذا وقع منهم خطأ كان واضحًا جليًا ؛ لأنه بمثابة النقطة السوداء في صفحتهم الناصعة البيضاء . ولذلك قيل: زلّةُ العالم مضرب بها الطبل.
وما مثلُ العالم إلا كمثل الثوب الأبيض، إذا أصابته نقطة - مهما كان صغرها- برزت فيه وظهرت.
ومن هنا وجب على العلماء أن ينتبهوا لذلك الأمر؛ بأن يتفقدوا أنفسهم ، ويتفطنوا لأعمالهم وتصرفاتهم وأقوالهم . كما وجب - كذلك - على الناس ألا يضخموا هفوات علمائهم ولا ينفخوا فيها .
خامسًا - احذر من الذم الذي يشبه المدح:
بعض الناس يُسهب في الثناء على شيخ من المشايخ ، ويخلع عليه من نعوت الفضل وألقاب التوقير شيئًا كثيرًا ، ثم يقول - مثلا ً-: ( لكن الشيخ حبيب ) أو طيب القلب ، وهو يقصد أنه قد يُستغفل ، أو غير ذلك من الأساليب المغلفة بغلاف المدح ، وهي للتَّنقُّص . وإن على هؤلاء الذين يستخدمون هذه الأساليب، أن يخافوا الله ويتقوه ، وأن يدركوا خطورة ما يقولون ، وأن يتوبوا إلى الله، ويستغفروه ، وإن يعتذروا ممن انتقصوه .
سادسًا: أن من أساء الأدب مع العلماء فسيلقى جزاءه عاجلًا أو آجلًا .
قال الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم: ( وصنف كتبًا كثيرة ، وناظر عليه ، وبسط لسانه وقلمه، ولم يتأدب مع الأئمة في الخطاب . بل فجج العبارة، وسب وجدع فكان جزاءه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الأئمة، وهجروها ، ونفروا منها ، أحرقت في وقته ) .
والواقع يشهد أن الذي يسب العلماء، ويتجرأ عليهم ، يسقط من أعين العامة والخاصة.
ويقول الحافظ ابن رجب: ( والواقع يشهد بذلك، فإن من سبر أخبار الناس ، وتواريخ العالم ؛ وقف على أخبار من مكر بأخيه ، فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببا لنجاته وسلامته ) أي: سببًا لنجاة الممكور به وسلامته .
سابعًا: على العلماء وطلاب العلم الذين يبتلون بالتعريض للطعن ، وكلام الناس فيهم ؛ عليهم أن يصبروا ويتقوا الله ، وأن ليعلموا أنهم ليسوا أفضل من الأنبياء والمرسلين، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يسلم من الكلام فيه ، وطعن حتى في أهله ؛ في حادثة الإفك .
فللعلماء أسوة في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فليقتدوا به ، وليعلموا أن العاقبة للمتقين ، قال تعالى: { قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } [سورة يوسف ، الآية:90 ] .
وقال - جل وعلا - عن موسى: { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } . [سورة الأعراف ، الآية: 128 ]
وقال - سبحانه -: { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } . [سورة فاطر ، الآية: 43]
وصدق من قال:
ولست بناج ٍ من مقالة طاعن ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر