فيتعين على من خلفه وعلم بذلك أن يذكره بالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وإن دعا الحال بالكلام إن لم يجدِ التسبيح والتصفيق، نحو من قام إلى خامسة وسبحوا له فلم يرجع عنها، يقال له: تمت الصلاة، أونسي قراءة الفاتحة وشرع في قراءة السورة، وسُبِّح له فلم ينتبه، يقال له: الحمد لله، ومن سلم من ركعتين في الصلاة الرباعية مثلًا ولم يجدِ معه التسبيح يقال له: بقيت ركعتان، وهكذا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
دليل ذلك حديث ذي اليدين، وتثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه بسؤال أصحابه، وردهم عليه، ثم لم يأمرهم بالإعادة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أوالعصر فسلم، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تقصر ولم أنس؛ فقال: بلى، قد نسيتَ يا رسول الله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحق ما يقول؟ قالوا: نعم؛ فصلى ركعتين أخرتين ثم سجد سجدتين".
لقد رد الحافظ ابن عبد البر على من زعم أن حديث أبي هريرة هذا منسوخ بحديثي ابن مسعود وزيد بن أرقم، لأن ذا اليدين قتل ببدر، فبين وهمهم، وأن الذي قتل ببدر ليس ذو اليدين وإنما ذو الشمالين.
ذكر ابن قدامة في صحة وفساد صلاة من تكلم في الصلاة لصالحها ثلاثة أقوال، هي ثلاثة روايات في مذهب أحمد، وهي:
1.أن الصلاة لا تفسد إذا كان الكلام في شأن الصلاة، مثل كلام النبي وأصحابه في حديث ذي اليدين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تكلموا، ثم بنوا على صلاتهم، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
2.تفسد صلاته، وهو قول الخلال وأصحابه من الحنابلة، وأصحاب الرأي وهم الأحناف.
3.لا تفسد صلاة الإمام وإنما تفسد صلاة من كلم الإمام.
قال ابن قدامة مرجحًا لصحة صلاة المتكلم: (وهو مذهب الأوزاعي، فإنه قال: لو أن رجلًا قال للإمام وقد جهر بالقراءة في العصر: إنها العصر، لم تفسد صلاته، ولأن الإمام قد تطرَّقه حال يحتاج إلى الكلام فيها، وهو ما لو نسي القراءة في ركعة فذكرها في الثانية، فقد فسدت عليه ركعته، فيحتاج أن يُبدلها بركعة هي في ظن المأمون خامسة ليس لهم موافقتهم فيها، ولا سبيل إلى إعلامهم بغير الكلام) .
وقال النووي: (قال المتولي: لو سلم الإمام فسلم المأموم معه ثم سلم الإمام ثانيًا فقال له المأموم: قد سلمت قبل هذا، فقال الإمام: كنت ناسيًا لم تبطل صلاة الإمام لأن سلامه الأول سهو، وتمت صلاته بالسلام الثاني، ولا تبطل صلاة المأموم أيضًا لأن سلامه الأول لم يخرج به من الصلاة، وتكليمه الإمام سهو لأنه ظن أنه تحلل من الصلاة، ويلزمه أن يسلم ثانيًا، ويستحب له سجود السهو لأن تكليمه سهو في الصلاة بعد انقطاع القدوة) .
(2) حال الفتح على الإمام
الحال الثانية التي يجوز فيها الكلام لصالح الصلاة حال فتح المأموم على إمامه في الصلاة إذا ارتج عليه خاصة في الفاتحة، أو أخطأ في قراءته فقدم أوأخر ووقف ليفتح عليه.
قال ابن قدامة: (وفي معنى هذا النوع - أي الكلام الجائز في الصلاة - إذا فتح على الإمام إذا ارتج عليه، أورد عليه إذا غلط فلا بأس به في الفرض والنفل) .
ب. أن يتكلم ساهيًا ناسيًا
إذا تكلم المصلي ساهيًا أنه في صلاة، ثم إذا تذكر صلاته أمسك عن الكلام، لا تبطل صلاته، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ولأهل العلم في ذلك قولان في صحة وبطلان صلاة المتكلم ناسيًا، أرجحهما صحتها، وفرق بعض أهل العلم بين من تكلم ناسيًا لصالح صلاته، أوبكلام دنيوي.
قال ابن قدامة وهو يعدد أقسام الكلام الذي لا تبطل به الصلاة: (القسم الثاني: أن يتكلم ناسيًا، وذلك نوعان، أحدهما أن ينسى أنه في صلاة، ففيه روايتان، إحداهما لا تبطل الصلاة، وهو قول مالك والشافعي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في حديث ذي اليدين.. والثانية تفسد صلاته، وهو قول النخعي، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وأصحاب الرأي، لعموم أحاديث المنع من الكلام، ولأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة، فلم يسامح فيه بالنسيان، كالعمل الكثير من غير جنس الصلاة.