فهرس الكتاب

الصفحة 1260 من 1363

النوع الثاني: أن يظن أن صلاته تمت، فيتكلم، فهذا إن كان سلامًا لم تبطل الصلاة، رواية واحدة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه، وبنوا على صلاتهم، ولأن جنسه مشروع في الصلاة، فأشبه الزيادة فيها من جنسها، وإن لم يكن سلامًا، فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه، إنه إذا تكلم بشيء مما تكمل به الصلاة، أوشيء من شأن الصلاة، مثل كلام النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين، لم تفسد صلاته، وإن تكلم بشيء من غير أمر الصلاة، كقوله: يا غلام اسقني ماء، فصلاته باطلة، وقال في رواية يوسف بن موسى: من تكلم ناسيًا في صلاته فظن أن صلاته قد تمت، إن كان كلامه فيما تتم به الصلاة، بنى على صلاته، كما كلم النبي صلى الله عليه وسلم ذا اليدين، وإذا قال: يا غلام اسقني ماء، أوشبهه، أعاد.

وممن تكلم بعد أن سلم وأتم صلاته: الزبير وابناه عبد الله وعروة، وصوبه ابن عباس، ولا نعلم عن غيرهم في عصرهم خلافه.

وفيه رواية ثانية: أن الصلاة تفسد بكل حال، قال في رواية حرب: أما من تكلم اليوم وأجابه أحد أعاد الصلاة..

وفيه رواية ثالثة: أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال، سواء كان من شأن الصلاة أولم يكن، إمامًا كان أومأمومًا، وهذا مذهب مالك والشافعي، لأنه نوع من النسيان فأشبه المتكلم جاهلًا).

ج. أن يتكلم جاهلًا

من الحالات التي لا تبطل فيها الصلاة كلام المصلي جاهلًا بتحريم الكلام فيها في أرجح قولي العلماء، ودليل ذلك حديث معاوية بن الحكم السُّلمي رضي الله عنه قال:"بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله؛ فحدقني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكلى أمياه! ما بالكم تنظرون إليَّ؛ فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم؛ فلما رأيتهم يصمتوني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، ثم قال:"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"الحديث."

قال ابن قدامة:(أن يتكلم جاهلًا بتحريم الكلام في الصلاة، قال القاضي في"الجامع": لا أعرف عن أحمد نصًا في ذلك، ويحتمل أن لا تبطل صلاته، لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة.. ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه.

إلى أن قال: وقد دل على ذلك حديث معاوية بن الحكم السُّلمي) .

وقال الشيرازي الشافعي في المهذب: (وإن فعل ذلك - أي تكلم - وهو جاهل بالتحريم ولم يُطل، لم تبطل صلاته) .

د. أن يتكلم وهو نائم

من تكلم وهو نائم لا تبطل صلاته في أرجح قولي العلماء، لقوله:"رفع القلم عن ثلاثة"، وذكر منهم:"النائم حتى يستيقظ"الحديث.

قال ابن قدامة: (أن ينام فيتكلم، فتوقف أحمد عن الجواب فيه، وينبغي أن لا تبطل صلاته، لأن القلم مرفوع عنه، ولا حكم لكلامه، فإنه لو طلَّق، أوأقر، أوعتق، لم يلزمه حكم ذلك) .

ه. أن يتكلم وهو مُكْرَه على الكلام

إذا أكْرِه المصلي على الكلام وهدِّد فتكلم لا تبطل صلاته في أرجح قولي العلماء، لأنه رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

قال ابن قدامة: (أن يكره - أي المصلي - على الكلام، فيحتمل أن يخرَّج على كلام الناسي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما في العفو.. وقال القاضي: هذا أولى بالعفو، وصمت الصلاة، لأن الفعل غير منسوب إليه، ولهذا لو أكره على إتلاف مال لم يضمنه، ولو أتلفه ناسيًا ضمنه، والصحيح إن شاء الله أن هذا تفسد صلاته، لأنه أتى بما يفسد الصلاة عمدًا، فأشبه ما لو أكره على صلاة الفجر أربعًا، أوعلى أن يركع في كل ركعة ركوعين، ولا يصح قياسه على الناسي لوجهين: أحدهما أن النسيان يكثر، ولا يمكن التحرز منه بخلاف الإكراه، والثاني: أنه لو نسي فزاد في الصلاة، أونسي من كل ركعة سجدة لم تفسد صلاته، ولم يثبت مثل هذا في الإكراه) .

قلت: ما رجحه ابن قدامة رحمه الله من التفريق بين الإكراه والنسيان فيه نظر، والراجح والله أعلم ما قاله القاضي أبو يَعْلَى بأن المكره أولى بالعفو من الناسي، وإن كان الحديث جمع بينهما.

و. إن تكلم وهو مغلوب على الكلام

من تكلم في صلاته مغلوبًا على الكلام لأي سبب من الأسباب لا تبطل صلاته فيما يترجح لدي، والله أعلم، نحو الذي يحدث في حال التثاؤب، والسعال، والبكاء، والنحيب، والأنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت