قال صاحب سبيل السعادة المالكي: (لو أنَّ لوجع نزل به لا تبطل صلاته، ولو بصوت ملحق بالكلام، لأنه محل ضرورة، والتنهد غلبة مغتفر، وعمدًا أوجهلًا مبطل، وسهوًا يسجد غير المأموم، ولتذكر الآخرة جائز، كالبكاء لخوف الله والدار الآخرة، فلا تبطل الصلاة ولو بصوت، وأما البكاء لغير الخشوع، فإن كان بلا صوت فيغتفر له وإلا فكلام، وأما التنحنح فإن كان لحاجة فلا يبطل، وإن كان لغير حاجة فقولان، المعتمد الصحة، كما في حاشية الخرشي، وأما التنحنح بأن يقول: أخ، فإن كان لضرورة بلغم فلا يبطل، وإن كان عبثًا فتبطل، والجشاء غلبة غير مبطل، ولغيرها عمدًا أوجهلًا مبطل، وسهوًا يسجد غير المأموم، وهذا كله إن كان بصوت، فإن كان بلا صوت لغير حاجة فلا بطلان في عمده وكره، ولا سجود في سهوه، أفاده الصفتي، وكذا تبطل الصلاة بالنفخ بالفم عمدًا أوجهلًا، إذ هو كالكلام) .
وقال ابن قدامة:(أن يتكلم مغلوبًا على الكلام، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن تخرج الحروف من فيه بغير اختياره، مثل أن يتثاءب فيقول: آه، أويَسْعَل فينطق في السَّلعة بحرفين، وما أشبه هذا، أويغلط في القراءة، فيعدل إلى كلمة من غير القرآن، أويجيئه البكاء ولا يقدر على رده، فهذا لا تفسد صلاته، نص عليه أحمد في الرجل يكون في الصلاة فيجيئه البكاء فيبكي، فقال: إذا كان لا يقدر على رده لا تفسد صلاته، وقال: قد كان عمر يبكي، حتى يسمع له نشيج، وقال مهنا: صليت إلى جنب أحمد، فتثاءب خمس مرات، وسمعت لتثاؤبه: هاه، هاه؛ وهذا لأن الكلام هاهنا لا ينسب إليه، ولا يتعلق به حكم من أحكام الكلام، وقال القاضي فيمن تثاءب، فقال: آه، آه؛ تفسد صلاته، وهذا محمول على من فعل ذلك غير مغلوب عليه، لما ذكرنا من فعل أحمد خلافه).
وقال الإمام النووي رحمه الله: (للمتكلم في الصلاة حالان:
أحدهما: أن يكون غير معذور، فينظر، إن نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته، لأنه ليس بكلام، إلا أن يكون الحرف مُفهِمًا كقوله: قِ، أوشِ، أوعِ، بكسرهن، فإنه تبطل صلاته بلا خلاف، لأنه نطق بمفهم فأشبه الحروف، وإن نطق بحرفين بطلت صلاته بلا خلاف، سواء أفهم أم لا، لأن الكلام يقع على الفهم وغيره، هذا مذهب اللغويين والفقهاء والأصوليين، وإن كان النحويون يقولون: لا يكون إلا مفهمًا ولو نطق بحرف ومده بعده فثلاثة أوجه، حكاها الرافعي (أصحها) تبطل لأنه كحرفين، (والثاني) لا لأنه حرف، (والثالث) قاله إمام الحرمين إن أتبعه بصوت غفل وهو الذي لا تفصح فيه بحيث لا يقع على صورة المد لم تبطل، وإن أتبعه بحقيقة المد بطلت، قال: لأن المد يكون ألفًا، أوواوًا، أوياء، وهي وإن كانت إشباعًا للحركات الثلاث فهي معدودة حروفًا، وأما الضحك، والبكاء، والأنين، والتأوه، والنفخ، ونحوها، فإن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، وسواء بكى للدنيا أوللآخرة، وأما التنحنح فحاصل المنقول فيه ثلاثة أوجه، الصحيح الذي قطع به المصنف والأكثرون: إن بان منه حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا، والثاني لا تبطل وإن بان حرفان، قال الرافعي: وحكى هذا عن نص الشافعي، والثالث: إن كان فمه مطبقًا لم تبطل مطلقًا، وإلا فإن بان حرفان بطلت، وإلا فلا).
وقال ابن قدامة: (فأما النفخ في الصلاة فإن انتظم حرفين أفسد الصلاة لأنه كلام، وإلا فلا يفسدها، وقد قال أحمد: النفخ عندي بمنزلة الكلام، وقال أيضًا: قد فسدت صلاته لحديث ابن عباس:"من نفخ في الصلاة فقد تكلم"، وروي عن أبي هريرة أيضًا وسعيد بن جبير، وقال ابن المنذر: لا يثبت عن ابن عباس، ولا أبي هريرة رضي الله عنهما، وروي عن أحمد أنه قال: أكرهه ولا أقول يقطع الصلاة، ليس هو كلامًا.
إلى أن قال:
أما عن النحنحة فقال أصحابنا: إن بان منها حرفان بطلت الصلاة بها كالنفخ، ونقل المروذي قال: كنت آتي أبا عبد الله فيتنحنح في صلاته، لأعلم أنه يصلي؛ وقال مُهَنَّا: رأيتُ أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة.. واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة تنبيه المصلي بالنحنحة في صلاته، قال مرة: لا يتنحنح في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفق النساء".