فيهما إنساناها في قتامة. وكنت كلما نظرت إلى هاتين العينين أراهما على حال واحدة لا تتغير: سوداوان عميقتان لا يدرك كنههما، وإذا ما نظرت إليهما ولو نظرة قصيرة اشتد وجيب قلبي، ولكني لم أشعر قط بمعنى اللانهاية بمثل هذا العمق وهذا الخوف الذي شعرت به الآن؛ ولم أعرف مطلقًا قوتها كهذا الحد القوي الجارف. شعرت خائفًا متألمًا أن حياتي كلها غدت كشعاع ضئيل من النور ابتلعته عيناها، حتى أصبحت غريبًا عن نفسي فارغًا أجوف غالبًا في عداد الموتى. . . ثم بارحتني وخلفتني وحيدًا وأخذت معها حياتي. . حياتي كلها، ورقصت ثانية مع رجل وضيء الوجه طويل متعجرف، أخذت في انقباض وحزن أنعم فيه البصر وأدرس أجزاء جسمه، وشكل نعليه، وعرض كتفيه المرتفعتين، وخصل شعره المتموج المنتظم. والرجل بنظرته غير العابئة ولا المكترثة ولا الباصرة يلصقني بالحائط، أصبحت في نظره مخلوقًا تافها كالحائط نفسه.
ولما أطفأت الشموع تقدمت نحوها وقلت:
(حان وقت العودة. . سآخذك إلى المنزل) .
فاستغربت وقالت: (ولكني. . . ذاهبة معه!) .
وأشارت إلى الرجل الطويل الجميل الذي لم ينظر إلينا مطلقًا ثم جرتني إلى غرفة خالية من الناس وقبلتني. فقلت بهدوء ورقة:
(إنك كاذبة) .
فأجابت: (سنتقابل اليوم. . . لا بد أن تجيء. . .) .
ولما ركبت العربة إلى المنزل، كان الصباح الضبابي الأخضر قد لاح فوق السطوح العالية، ولم يكن في الشارع كله إلا أنا وسائقي؛ وجلس الرجل متجمعًا يخبئ وجهه من الريح، وأنا جالس خلفه منكمشًا في معطفي ومغطيًا وجهي حتى عيني. وكان للسائق أفكاره ولي أفكاري، وخلف الجدران الكثيفة المحيطة ألوف من الناس يغطون في النوم سابحين في أحلامهم وأفكارهم. . . فكرت فيها، وفي أكاذيبها، وفي الموت الرهيب، وبدا لي أن هذه الجدران المحيطة بعد أن أضاءتها تباشير الصباح، كانت تنظر إلي كمخلوق ميت، وهذا هو السبب الذي جعلها جامدة معتدلة هكذا. ولم أكن أعرف في أي شيء يفكر السائق، ولم أكن أدري ما الذي يحلم به أولئك المختفون وراء الجدران، ولا كانوا هم يعرفون ما أفكر