فيه وأحلم به. . .
وعلى هذا المنوال من التفكير والسكون والتأمل زحفنا في الشوارع الطويلة المستقيمة، بينما يفضض نور الصباح أعالي السقوف، وكل ما حولنا كان أبيض ساكنًا. وقربت مني سحابة بيضاء عطرة. . . وأخذ إنسان سجين يضحك عند أذني ويصيح:
(هو. . . هو. . . هو. . .) .
لقد كذبت. لم تبر بوعدها ولم تجيء، وكان انتظاري قدومها عبثًا، كان وهما باطلًا وأملًا خائبًا. . . وأخذ الغبش يهبط من السماء القاتمة أشهب باردًا متجمدًا. . . ولم أعد أعرف متى يتحول الغبش إلى مساء، أو متى ينقلب المساء ليلًا أسود. فكرت فيه كله كليل طويل حالك فوقه ليل، وأخذت دائمًا، بخُطى الانتظار المنتظمة الرتيبة، أروح وأجيء في الطريق، ولم أشأ أن أقرب من منزل حبيبتي الشاهق، ولا من الباب الزجاجي الأمامي الذي بدا لي شاحبًا في ظل سقفه الحديدي، ولكني رحت بنفس الخطى المنتظمة أذرع الجانب الآخر من الشارع. رائحًا غاديًا. . . رائحًا غاديًا. . . وعندما كنت أواجه المنزل لا أستطيع أن أنزع عيني من الباب الزجاجي، فإذا ما بعدت عنه كنت غالبًا أقف وأدير رأسي وأسارقه الطرف، وهنا يخز الثلج الساقط وجهي بوخزاته الحادة. . . كانت هاته الإبر الثلجية طويلة نافذة، حتى إنها نفذت إلى قلبي ومزقته وهو المعني بالشوق المضني والانفعال الشديد للانتظار الخائب! وهبت الريح الباردة من الضوء في الشمال إلى الظلام في الجنوب، وصفرت وعوت، ولعبت على السقوف المتجمدة وخلصت نفسها منها وضربت وجهي بسفعات حادة من الندف الثلجية، وخشخشت كما يخشخش الرمل على مصابيح الشوارع الفارغة حيث يرتجف اللهب الأصفر ويقضقض من البرد وينحني أمامها. كم أسفت على هذا اللهب المنفرد الذي يعيش في الليل فقط، وفكرت في الحياة التي ستقف حركتها في الشارع بعد لحظات، وفيّ بعد أن أغادر المكان وتبقى الندف الثلجية تهطل وتضربه بضرباتها، واللهب الأصفر يستمر راجفًا منحنيًا في كنف الوحدة والبرودة المحيطة به.
انتظرتها فلم تجيء. وبدا لي أني وهذا اللهب المنفرد متشابهان، وكل ما بيننا من خلاف أن مصباحي لم يكن فارغًا كمصباحه، وأخذ الناس يظهرون من وقت لآخر في المكان الذي