ينأى فتدنيه إليَّ على النوى ... فأراه كالتحقيق في التشبيه
ما كان أحسن حالتي لو أن ما ... أوتيت من كرم وعطف فيه
ولا يساورني شك في أن هذه الأبيات أروع خيالًا وأسطع في معناها جمالًا من أبيات تحاكيها للبحتري قال:
طيف الحبيب ألمَّ من عُدَوائه ... وبعيد موقع أرضه وسمائه
يهدي السلام، وفي اهتداء خياله ... من بعده عَجَب وفي إهدائه
لو زار في غير الكرى لشفاك من ... خبل الغرام ومن جوى برحائه
الحق أن ديباجة أبيات البحتري ناصعة مجلوة، ونسجها مجمل مفوف، ولكني مع هذا أرى العجب العاجب من عَجَب البحتري لاهتداء خيال محبوبه إليه من بعيد عدوائه ونائي صحرائه وإهدائه السلام إليه. فكيف يكون حبيبًا من يضل محبة طيفه مهما نأى عنه جسمه؟ ومن هو أولى من المحب المستهام بإهداء السلام؟ ولعل خبل الغرام هو موحي ذلك الخيال، وإلا فمن يجحد حتى غير العشاق - أن الأرواح تتناجى وتتواصل، والقلوب تتآلف فتتراسل؛ سواء في ذلك تباعدت الأجسام أو تقاربت، وتناءت الأبدان أو تدانت؛ فتلك حقيقة لا سبيل إلى نكرانها. وهلا قال كما قال أستاذه أبو تمام:
استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خيفة واكتتام
فالليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرعته النوى من الأيام
يا لها ليلة تنزهت الأر ... واح فيها سرًا من الأجسام
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
واستمع إلى هذا العتب الحلو العبارة، الرقيق الإشارة، والاستعطاف البارع اللطيف يكشف به لحبيبه عن غرام ويستوحيه فيه وصله، إذ يريه أن خياله أعظم به رأفة وطيفه أكثر عليه عطفًا، إذ يواصله في غفوة العيون؛ ولو أنه وجد سبيلا إلى المواصلة في اليقظة وعلى مسمع الرقباء لفعل؛ لحظره عليه السِّنة ومنعه عنه النوم، قال:
خيالك منك أعرف بالغرام ... وأرْأف بالمحب المستهام
فلو يستطيع حين حظرت نومي ... عليّ لزار في غير المنام
ومن غزله العذب ووصفه الدقيق الممتع قوله: