بن الوليد دروسًا في فنون الحرب قابلة للتطبيق في العصر الحاضر يكون قد أقدم على عمل لا يتفق مع العقل والمنطق
غير أنه يجب أن نعرف أن الحروب لا تتم بالوسائط والقوى المادية وحدها، بل إنها تحتاج إلى قوى معنوية متنوعة فضلًا عن القوى المادية، أهمها: الوطنية الصادقة، والإيمان بإمكان النصر مع الإقدام على إحرازه بحزم وثبات، وجرأة وشجاعة لا تتأخر عن نوع من أنواع التضحية. إن هذه القوى المعنوية لعبت ولا تزال تلعب دورًا هامًا في الحروب في جميع العصور، مهما كانت الوسائط المادية المستعملة في خلالها، سواء أكانت من نوع السهام أم الدبابات، أم الجمال أم الطيارات. إن سيرة خالد بن الوليد مملوءة بأمثلة عليا عن هذه القوة المعنوية؛ وإذا ما أقدمنا على درس سيرة خالد بن الوليد يجب أن ندرسها لكي نستفيد من تلك القوى المعنوية؛ وإذا ما بحثنا عنها يجب أن نبحث عنها بقصد استثارة قوى معنوية مماثلة لها، لا بقصد محاولة الحرب على الطريقة التي مشى خالد بن الوليد عليها
وكذلك كلكم تعلمون بأن أجدادنا العظام أسدوا إلى الطب من الخدمات ما لا ينساه التاريخ، فيجب علينا أن ندرس تلك الخدمات، ونطلع عليها ونتذكرها دائمًا، ولكن لماذا؟ وبأي قصد؟ هل يجوز لنا أن نفعل ذلك بقصد الاستفادة من آراء كبار أطباء العرب في مداواة الأمراض؟ لا مجال للشك في أن ذلك يكون في منتهى السخافة. يجب علينا أن ندرس خدمات العرب للطب، لا بأمل أن نجد في اكتشافاتهم ما يفيدنا في أمر التطبيب والمداواة، بل لنزداد مباهاة بأعمال أجدادنا العظام، ولنزداد إيمانًا بحيوية أمتنا الكامنة، ولنحصل على دوافع باطنية تحفزنا على القيام بخدمات تشبه خدماتهم الغالية. إن أطباء العرب القدماء خدموا الطب خدمة كبرى، ومشوا في مقدمة العالم في هذا المضمار قرونًا عديدة. إن خدمات هؤلاء يجب أن تولد في نفوسنا طموحًا لإحراز مكانة عالية في الطب الحديث، مثل المكانة التي كان أحرزها هؤلاء في العصور التي عاشوا وعملوا فيها
ولذلك قلت إنه يجب علينا أن نستمد من التاريخ قوة معنوية، تثير في نفوسنا نزعات التقدم إلى الأمام، وتحفزنا إلى العمل لمجد المستقبل
أما أهم النزعات التي يجب أن نستلهمها من التاريخ فهي في نظري الإيمان بحيوية الأمة العربية، وبإمكان حصولها على مجد جديد لا يقل شأنًا عن المجد الذي كانت نالته في سالف