عتوها وكبرها سنة الله في المتكبرين، لا يكونون إلا فارغين. . . تلك التي يدعونها في بيروت صخرة الانتحار، لأن المجانين أعداء أنفسهم وأوطانهم، يلقون بأنفسهم منها يثبون إلى. . . إلى جهنم! وكانت الشمس مائلة إلى المغيب، تمنح البحر آخر هباتها، فيبدو براقًا لامعًا، قد لبس حلّة من النور، فأكبرت هذه المخلوقات: الشمس والبحر والصخر، ووقفت صاغرًا حيال عظمة الطبيعة وجلال الطابع (جلّ جلاله) ، ثم غلب عليّ هذا النشاط الذي أحسّ، وبلغ دماغي فملأه ادعاء وكبرًا وغرورًا؛ والمرء في فكره وعواطفه خاضع أبدًا لحالة جسمه، ودرجة صحته، فرأيت هذا الصخر إلى زوال قد عبث به الماء، والماء إلى ذهاب قد بخرته الشمس، والشمس إلى غياب قد ابتلعها البحر، ورأيتني وحدي الذي يبقى، أنا الذي فتّت الصخر، وأنا الذي أذلّ البحر، وأنا الذي اتخذ الكون كله معمل تجارب لعقله وسخّره لمنفعته، وأنا الذي يحوي في صدره عالمًا أكبر من هذا العالم، ونورًا أبهى من هذه الشمس وعواطف أعمق من هذا البحر، وأرقّ من هذا الماء، وأشد من هذا الصخر. . .
وذهبت إلى المدرسة، وأنا أقول (أنا) ، والعياذ بالله من (أنا) فإنها كلمة إبليس. . . ذهبت ماشيًا فأكلت من ساعتي أكل من لبث في البحر ساعتين، ومشى ساعة كاملة، من (الروشة) إلى الحرج، وكانت سكرة النشاط، ونشوة (أنا) لا تزال ضاربة في رأسي، فذهبت مع الطلاب أمشي وأعدو وأثبت، وأفعل كل ما لا يفعل عاقل، ولم أعد إلى المدرسة إلا غارقًا في العرق فشربت قازوزتين مثلجتين من (القازوز) ، وصارعت. . . واغتسلت بالماء البارد، ونمت فأصبحت مريضًا!
يا لهذاالمغرور الأحمق الذي أصاب ذرة من العلم، وعبث بالكون عبث الوليد، يرفع ويضع فلم يعد يرضيه إلا أن يدّعي الألوهية، أو (يؤلّه هذا العلم) . . . يا لهذه القوة الكاذبة، وهذه السطوة الفارغة، هذا القويّ الجبار الذي فتت الصخر، وأذلّ البحر، يذله مخلوق من أصغر مخلوقات الله، لا تراه لهوانه العين؛ يعيش الملايين منه في قطرة ماء، مخلوق واحد من أضعف المخلوقات يلقي الإنسان محطومًا، ويطّير هذه الأفكار كلها من رأسه حتى يعود ذليلًا خانعًا. . . فكيف ويحك لو أصابك الله بعذاب من عنده؟ يا للأحمق المغرور!
أصبحت فإذا أنا قد نسيت أفكار الأمس ونسيت الأمس كله وأحسست بالبعد عن الدنيا التي آلفها وأحبها. ولقد انقطعنا مرة في قلب جزيرة العرب، وتهنا في رمالها الموحشة سبعة