أن تجري شمالًا. وليس هناك ما يدل على عزلة المصري القديم من اعتقاده هذا
أما في الدلتا فقد كانت الأحوال مختلفة كل الاختلاف إذ أن هذا المثلث المستوى والذي هو حديث التكوين نسبيًا يكاد يكون خاليًا مما يحدد أفق سكانه. ولابد أنه ظهر لهم كأنه سهل متسع يمتد حتى الأفق في كل الجهات لا تتخلله تلال ولا مرتفعات؛ بيد أن شروط العمل على الأرض كانت شبيهة بدرجة كبيرة بمثيلتها في الصعيد
ولا ريب أن أتساع الأفق أمام سكان الدلتا وانعدام صخور الصحراء مما بث شعور الحرية في كل جهة، أنتج على عقولهم نتيجة مخالفة. وكان من سوء الحظ أن رسوب غرين النيل في الدلتا مضافًا إليه حاجة الزراعة جعلت أغلب المدن الفرعونية القديمة وراء علم الباحث، ولذا لا يمكننا أن نقدر الدور الذي لعبه في تطور التاريخ المصري القديم
أما من حيث الجو فمعروف أن الوجهين البحري والقبلي يتمتعان بجو جميل على العموم، ويسقط المطر في الدلتا ويكاد ينعدم في الصعيد، وقد ينهمر عليه سيل غزير مرة في كل عشر سنوات
وتشتد الحرارة في الصعيد وتزداد شدتها كلما اتجهنا جنوبًا. هذه هي أهم المظاهر الطبيعية لمصر، ولا يقل عنها أهمية موقعها الجغرافي، وهي تحمي مدخل أفريقية ضد الغزو من جهات أسيا الغربية، فقد كانت تلك الأجزاء على الدوام مركزًا للاضطرابات التي كانت أحيانًا تشتد جدًا إذا كان سكانها يميلون إلى الهجرة إلى دلتا مصر الخصبة، وتكررت غزواتهم وكان لكل نتائج وقتية. ولا شك أن هذه الغزوات حالت دون الاطراد في تقدم مصر. ففي كل مرة خرجت فيها مصر من الضربة التي أصابتها استنفذ هذا الخروج كثيرًا من نشاطها، وكان من الممكن أن تستنفذه في نيل تقدم حقيقي
ولم تكن الدلتا أسلم في جهة الغرب منها في جهة الشرق، فهناك عاشت قبائل ليبية لم تقتصر في سكناها على الإقليم الساحلي، بل نزلت أيضًا في الواحات التي تمتد جنوبًا داخل أفريقية؛ وربما استولى بعضها فعلا على الجزء الغربي من الدلتا في عصر ما قبل الأسرات. وعلى كل حال كانت هذه القبائل الليبية طول التاريخ المصري القديم تنتهز ضعف الحكومة في مصر أو قيام نزاع داخلي فيها فتنقض على الأراضي الخصبة التي اعتقدت إنها ميراثها القديم