في بناء تاريخ الحضارة وتكوينها، ولكن من النادر أن نملك عليها جميعها. وفي مثل هذه الحالة نجتزئ بما نقدر أن نجمعه منها لنجد المفقود! وذات النظرية التي تسمح لنا بأن نعرف حيوانًا ما بمجرد اطلاعنا على قطع من هيكله العظمي هي النظرية التي يجب أن نفرضها في التاريخ، إذ أن مظهر بعض الصفات يستلزم دائمًا وجود صفات أخرى
على أن كل هذه المواد التي نحددها قد تكون ناقصة في بعض الحالات بالنظر إلى الوضوح، فالعلم الحديث سيترك مواد أكثر صحة ودقة للجيل القادم. وقد يسهل التنبؤ بأن مؤرخي المستقبل سيكتبون كتبًا في التاريخ تختلف عن كتبنا فيه، ففي تاريخ حضارة القرن العشرين سيكون الموضوع خاضعًا بدون ريب لعنوان الأثر مرفقًا برسوم وخرائط وخطوط نافرة تمثل كل أطوار الحوادث الاجتماعية، وأن عظمة ما، وقوة ما، وبقاء ما ووزنًا ما نستطيع أن نستشفه خلال خط مرسوم أو سطر مرقوم
وليس هنالك حادث نفسي أو اجتماعي مهما كان مركبًا يفترض بأنه لا يمكن اعتباره كقيمة رياضية يمكن حلها عدديًا، وإنما يكفي أن نجد له في مواده الضرورية مقياسًا، فإن علم تقويم البلدان هو أقل العلوم الحديثة تقدمًا في طريق التكوين. والذي علمنا إياه هذا العلم يسمح لنا بأن نستكشف ما سوف يعلمنا إياه في المستقبل. فإنتاج بلد وإنفاقه وغناه وحوائجه والقابلية الخَلقية والخُلقية للذرية التي تقطنه، واختلاف عواطفها ومعتقداتها وتأثير القائمين عليها، كلها أشياء قد جلاها لنا المقومون بأعداد يجمعونها اليوم
ونحن نرقب هذا الجيل القادم الذي تتبدل فيه المشاحنات التاريخية بصور وخرائط ومعارج هندسية تمثل حالة كل الحوادث الاجتماعية وأطوارها المتبدلة، وإنما يجب الجهد الكثير في انتقاء الصور الأكثر وضوحًا من الصور التي تركها لنا الماضي، ومن هذه المواد التي أحصيناها نمسك المواد الضرورية التي تقدم لنا صورة واضحة شاملة للحضارات الغابرة وتاريخ تكونها، ولكي نستطيع أن نخرج هذه المواد إلى حيز العمل وجب علينا أن ندرس هذه البقيات التي تركتها هذه الحضارات في مواطنها
فإن مشهد الأشياء وحده يمكن أن يعطينا من ماضي ذلك الغيب ما لا يمكن أثرًا غيره أن يعطيه. والعلوم الطبيعية والاجتماعية لا يمكن أن يتعلمها الإنسان مجردة في الكتب، ولاسيما إذا كانت المسألة الشعبية كمسألة العرب الذين تعددت آثارهم في البلدان التي