الطوى، لم يذق عشاء ولم يتبلغ بلقمة. . . فبينما هو هائم على وجهه هكذا، إذا به يرى راهبًا يذرع الطريق مثله، وفي مثل الجهة التي يسير فيها، فحياه في أدب وظرف، ورد الراهب تحيته بأحسن منها، ثم قال يحدثه:
-مرحى أيها الرفيق! مالك مسربلًا بهذه الثياب الخضر من ناصيتك إلى إخمصيك. . . أذاهب أنت لتمثل البلياتشو في ملهاة خرافية؟
-كلا والله أيها الأب! إن اسمي برنابا، وحرفتي الشعبذة وحبذا لو كان عملي أن آكل متبطلًا، وأسمن واستريح من عناء الحياة!!
-أتعني ما تقول أيها الأخ برنابا؟ حذار من أن يكون في ستور كلامك لمز أو كناية! فإن أشرف عمل في هذه الحياة الدنيا هو أن تبيع نفسك لله. . . الرهبانية يا برنابا. . . إن الراهب ما يني يسبح بحمد الله، وباسم العذراء، وبأسماء القديسين! ألا وإن حياة الراهب أنشودة سرمدية ليسوع المسيح!
-وقال برنابا يجيبه: (إني أقر أنني تكلمت كما يتكلم الجهلاء أيها الأب، فعفوًا ومعذرة. . . إن بيننا لبونًا شاسعًا وفارقًا عظيمًا، وإنه إن يكن لشعبذاتي قيمتها عند الناس، فكذلك نسكك وترهبك مع فارق بين الصناعتين، لأنك مهما عجزت عن رقصة أقوم أنا بها في منتهى ما تتصور من سهولة ويسر، ومهما عجزت عن أن تقف سكرجتي هذه على أرنبة أنفك وتميل كما أميل، وتميد وتتخلج، فإن لرهبانيتك مع ذاك قيمتها التي لا تساميها قيمة عملي الحقير وصنعتي التافهة. . . أيها الأب الكريم! تالله إنه ليس أحب إلي من أن أنقطع مثلك للعبادة فألهج بذكر الله، وأستقل عن العلمين ليتحد قلبي بالبتول المقدسة. . . العذراء الطاهرة التي كرست نفسي وحياتي لعبادتها ومحبتها! وإنه ليس آثر عندي من أن أهجر حرفتي التي عرفت بها في ستمائة قرية وقرية، من سواسون إلى بوفيه، لكي أذهب إلى الدير، وأخلص للتأمل والعبادة والترهب!)
ووقرت سذاجة المشعبذ في فؤاد الراهب، واستشف فيه نفسًا تقية وقلبًا صالحًا، من تلك القلوب النقية التي قال المسيح في أصحابها: (عليهم السلام في الأرض) فقال يجيبه: (إذن هلم معي أيها الصديق برنابا وسأدخلك الدير الذي أنا رئيسه، وإني أسأل الله الذي هدى مريم المصرية في مهامه الصحراء أن يوفقني في هدايتك إلى ما فيه خلاصك)