كذلك الاستعراض النوعي للفضائل في ثورات الأخلاق، يدل دلالة واضحة على أن هذه الثورات لم تكن حربًا على الفضيلة ولم تكن للحط من قيمة الإنسان إلى قدر هو أرفع منه؛ وإنما كانت بردًا وسلامًا عليها، ترسم سبل الوصول إليها وإمكان تحقيقها: فالثورة اليونانية الأخلاقية كما يذكر الفيلسوف بوتروه في كتابه (مسائل في الأخلاق والتربية) كانت ترمي إلى رفع الإنسان إلى القداسة العقلية بحيث يصبح العالم بيتًا للإنسان والآلهة (أنظر كذلك شيشرون(طبيعة الآلهة ) ) . ويتحقق حلم الرواقيين في خلق مدينة العقلاء فيسود السلام على الإنسانية، بإحسان كل إنسان إلى أخيه فلا يبقى هناك فضل (ليوناني) على أجنبي.
والثورة الدينية في الأخلاق: إبان القرون الوسطى ويمثلها فيلون الإسكندري في اليهودية، والغزالي في الإسلام، والقديس أوغسطين في المسيحية، تتلخص كلها في تلك النزعة القديمة الشرقية التي أختص بها الجنس السامي وهي فكرة الخطيئة الأولى وما تتطلبه من التحلي بالفضائل كوسيلة لإنفاذ خلق الله من وصمتهم والعود بهم إلى جنات الخلد والنعيم (أنظر كتاب مُنك(في الفلسفة العربية اليهودية) ، وكذلك كتاب أستاذنا العلامة جلسن بالكليج دي فرانس وعنوانه: (المسيحية والفلسفة ) ) .
ثم جاءت بعد ذلك الثورة الحديثة في الأخلاق تقيم الفضائل وتناصرها ولكنها تفهمها بشكل آخر جديد، فبينما نجد القداسة العقلية عند اليونان، والقداسة الربانية عند اليهود والمسلمين والنصارى، نجد القداسة العملية النفعية عند الإنجليز في شخص هبز ومدرسة بنتام وميل وسبنسر (أنظر عند الإنجليز وأيضًا سبنسر التطور والأخلاق.
أصبحت الأخلاق عندهم تهتم بالحياة الجارية وتتأثر بالفهم الرياضي فأضحت (حسابًا للذات) من وجهات الكم والكيف، والبقاء، والزوال؛ وأصبح الفرد وأنانيته محورًا للأخلاق. ظهرت ثورة أخلاقية جديدة في ألمانيا هي ثورة كانت تذكرنا بآراء الرواقيين في العهد القديم لأنها ترتكز على فكرة الواجب ' المجرد عن الغايات النفعية والأغراض العارضة، وأن الإنسان في تخلقه يجب أن ينظر إلى ثلاثة أفكار: أولًا: أن يكون التخلق واحدًا لكل الناس. ثانيًا: أن يحترم الإنسانية في شخصه. ثالثًا: أن يتخلق وأن يملي على نفسه تخلقه دون أن يخضع في ذلك إلى مؤثر ما. لهذا كانت نهاية مبدئه الإرادة الحرة (انظر دلبوس فلسفة كانت