أما أسواق القاهرة (فلا يوجد أقبح منها لشدة ضيقها وأوخامها، حتى أن البعض لشدة ضناكته يكاد أن يرفض مسير اثنين معًا، ولا يقبل الضوء، ولا يوجد شارع يعتبر بالنسبة إلى البقية سوى الشارع الملقب بالموزكي أو طريق الإفرنج حيثما اختار التجار الحلبيون إقامة حوانيتهم)
ووجد مع ذلك في هذا البلد (كثيرًا من الأثارات والبقايا القديمة. . . وعددًا جزيلًا من الجوامع وأخصها جامع الأزهر الذي كان زاهرًا بعلوم العرب وفنونهم، وقد تقوض حسب اقتضاء روح العصر بالمدرسة العالية التي جددها حضرة إسماعيل باشا قيل مصر) - لو رأى الخواجا فرنسيس هذا الجامع في أيامنا!
وعاد رحالتنا إلى الإسكندرية (يستنظر المركب الذي سيصحبه إلى أوروبا. وورد الصاحب المستنظر فقلع معه الخواجا فرنسيس في 14 تشرين الأول. وفي صباح العشرين منه انقض به باشق البحار على مدينة مرسيليا، ووجد ذاته حينئذ مرتاحًا في حضن الغرب، متخطرًا تحت سماء أوروبا) ؛ وبعد إقامته ثمانية أيام في هذه المدينة (المصاغة من عسجد الظرافة، والمطرزة بلؤلؤ الجمال، ركب بخار البر في طريق الحديد وأخذ جهة ليون)
وهنا يصف الرحالة الفذ شعوره في بخار البر وطريق الحديد، وحيال المناظر التي مرّ بها معترفًا (بعجزه عن الشرح، وموجز القول بأن تلك المساحات التي مرّ عليها، فلوات وجبالًا وهضابًا، كانت بستانًا واحدًا ومدينة واحدة؛ وما كان يشاهد لون التراب الطبيعي سوى بين اسطوانات طريق الحديد، حيثما تكر العجلات)
ولم يزل الخواجا فرنسيس (مضطجعًا في المركبة الطايرة على أجنحة البخار، مطلًا من كواتها البلورية على نفايس هذه الطبيعة إلى أن حط به طاير النار على مدينة ليون نحو نصف الليل، حينما كانت سابحة في أنوارها العرمرمية)
وهنا تعاود رحالتنا جنة الشعر، فيهرع إلى القلم ليحبس هذه الخيالات المنثورة في بيوت منظومة، ولكنه يبدو في هذه المرة شاعرًا حضريًا عصريًا، ألم يحكم بأن للشعر (علاقة ثابتة مع الموضوعات التي يراها الشاعر؟)
إلى جنة الفردوس هل أنا ساير ... ترى أم إلى دنياء أخرى مسافر
وهل أنا مع نسر السما طاير إلى ... سما أم بخار الماء بي هو طاير