كان قال هذا فلقد قال:
بِخاتَمِكم كرهًا تجوز أمورهُم ... فلم أر غضبًا مثله حينُ يغضبُ
قال: فسلى عني بعض ما كان بي، وحادثني ساعة ثم قال: ما يعجبك من النساء يا مستهل؟ قلت
غَرَّاء تسحب من قيامٍ فَرْعَها ... جَثْلًا يزيِّنه سوادٌ أفحمُ
فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
قال: يا بني هذه لا تصاب إلا في الفردوس، وأمر له بجائزة
والظاهر أن هذه الحادثة كانت قبل حادثة المستهل مع أبي مسلم الخرساني، وأن المستهل عرف من هذه الحادثة كيف يتخلص من أبي مسلم بهذا البيت الذي ذكره له عبد الصمد بن علي
وقد عرف المستهل بعد هذا كيف يؤول هذا البيت:
اليوم صرت إلى أمي ... ة والأمور إلى المصاير
حين عيره به أبو العباس فقال: أبي إنما أراد - اليوم صرت إلى أمية والأمور إلى مصايرها أي بني هاشم
ولا يبعد أن يكون الكميت قد أراد هذا المعنى الذي ذكره ابنه المستهل، فقد كان شاعرًا عالمًا يعرف مرامي الكلام، ولا يقول الشعر إلا بعد التأني والتدبر، وكان يصير في ذلك إلى الغرض البعيد، ويرمي إلى الغاية الخفية، ومن هذا ما ذكره محمد ابن أنس، قال: حدثني المستهل بن الكميت قال قلت لأبي يا أبت إنك هجوت الكلبي فقلت:
ألا يا سَلْم من تِرْبِ ... أفي أسماَء من ترب
وغمزت عليه فيها، ففخرت ببني أمية وأنت تشهد عليها بالكفر، فألا فخرت بعلي وبني هاشم الذين تتولاهم؟ فقال: يا بني أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية وهم أعداء علي عليه السلام، فلو ذكرت عليًا لترك ذكري وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت عليًا له ولا أجد له ناصرًا من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية وقلت إن نقضها عليّ قتلوه، وإن أمسك قتلته غمًا وغلبته، فكان كما قال، أمسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه وأفحم الكلبي
نعم إنه يمكن أن يؤخذ على الكميت أنه لم يكن يتعصب في شعره لأهل البيت إلا لقرابتهم