فسمعه خالد فرجع وقال: أم والله لا تنقشع حتى يغشاك منها شؤبوب برد، ثم أمر به فجرد فضربه مائة سوط، ثم خلى عنه ومضى
وقد كان للكميت مدائح في خالد لعلها كانت قبل أن يفسد بذلك ما بينهما، أو لعلها كانت في بعض ما يزول فيه شيء من تلك الجفوة، وقد يكون هذا من تلك التقية التي أخذ بها نفسه بعد أن عفا هشام عنه، على أن خالدًا كان للشيعة خيرًا ممن ولي العراق بعده، وقد روى محمد بن كناسة أن الكميت دخل على خالد القسري فأنشده قوله فيه:
لو قيل للجود من حليفُكَ ما ... إنْ إلاَّ إليك يَنتسِبُ
أنت أخوه وأنت صورتهُ ... والرأسُ منه وغيرُك الذَّنب
أحرزتَ فضل النضال في مَهلٍ ... فكلَّ يوم بكفِّك القصب
لو أن كعبًا وحاتمًا نُشرا ... كانا جميعًا من بعض ما تَهَب
لا تُخلفُ الوعد إن وعدت ولا ... أنت عن المعتفين تحتجب
ما دونك اليوم من نوالٍ ولا ... خلفك للراغبين منقلبُ
فأمر له بمائة ألف درهم
وكان خالد قد ولي العراق سنة خمس ومائة، وقد طالت ولايته على العراق وتمتع الناس ببعض من الأمن في ولايته، ولم يكن شديدًا على الشيعة كغيره، وكان إلى هذا جوادًا كثيرًا العطاء، خطيبًا مقدورًا من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، ولكنه كان يتهم في دينه، وكانت أمه نصرانية فبنى لها كنيسة تتعبد فيها، وقد عزل عن العراق سنة عشرين ومائة. ويقال إن سبب عزله أن امرأة أتته فقالت: أصلح الله الأمير، إني امرأة مسلمة؛ وإن عاملك فلانا المجوسي وثب علي فأكرهني على الفجور وغصبني نفسي، فقال لها: كيف وجدت قلفته؟ فكتب بذلك حسان النبطي إلى هشام فعزله وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي، وهو ابن عم الحجاج بن يوسف، وأمره بمحاسبته ومحاسبة عماله، فأخذ يوسف خالدًا وعماله وحاسبه وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد سنة ست وعشرين ومائة
وقد تكون هذه التهم من اختلاق أعداء خالد عليه، وقد يكون السبب الحقيقي أن هشاما أراد أن يأخذ العراق بالشدة بعد أن فشا فيه التشيع على عهد خالد بن عبد الله، وجاهر به