بيد أن إنكارها ما لبث أن استحال إقرارًا، وإخلاصها لنهم ما لبث أن عاد ازورارًا، ذلك أنها سمعت حكاية الإله التعس، والحق أبلج لا يستعصي على البصائر إدراكه، مادام القلب سليما والنية الخالصة
وأنشأت تقول:
فديتك فابغنا ربًَّا كريما ... جوادًا في الفضائل يا بن وهب
فما من سامه كلب حقير ... فلم تمنع يداه لنا بربَّ
فما عبد الحجارة غير غاو ... ركيك العقل ليس بأهل لبَ
وظل النجل المشوق إلى الحق يتحرى ما تريد الأم المشوقة إلى الحق. . . يتحرى ربا كريما جوادًا في الفضائل. . .
وصرم نهمًا، ولبث يصلي حيث يستريح جنانه، وحيث توجهه القوة العظيمة التي بيدها مقاليد كل شيء. . .
الكون يريد الله به الخير والرحمة؛ والقلوب التي عذبها القلق وأضنتها الحيرة يريد الله لها السكينة والاستقرار والمعرفة، والدجنة الغالبة يريدها الله على أن تنقشع، والنور الذي أكن الله للمهديين من عباده آن انبثاقه. . . فالإنسان الكريم الذي اصطفاه الله لهذا وبلغ أبا ذر مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فخفقت الأماني في صدره، وود لو صح الأمل، وقال لأخيه: (اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني.)
وتلبث أبو ذر يرقب أخيه بصبر فارغ، وعاد أخوه يقول: (رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر)
لم يبل هذا القول من أبي ذر أُواما، فهم يتزود لرحلة يقوم بها هو نفسه، وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة بلد الرجل الذي يأمر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا تذهب فيه العقول مذاهب. . . وأتى المسجد يلتمس هذا الرجل، ولكنه لم يكن يعرفه، وقد كره أن يسأل عنه. . .
وفي اليوم الثالث لمقدمه أقبل عليه علي بن أبي طالب، وقد أدرك أنه غريب، فقال: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟) قال أبو ذر: (إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدنني فعلت) فلما أخذ