قلبك؟
وأخذت أذنا لا مسكين تتجاوب صدى ضحك الفتيات وقد سمر في مكانه لا ينبس ولا يطرف، وطال صمته والفتيات ينظرن إليه ويضحكن. فقالت الأميرة:
-تكلم يا مازبا. . . من هي تلك السعيدة. . . أتكون بائعة الزهور أم بنت بوابة المنزل المواجه لقصرنا؟
فقال الصبي: لا هذه ولا تلك
-فمن تكون إذًا؟
-إنها فتاة كبدر السماء أنظر إليها ولا أطمع في قربها. يغمرها الترف الذي نأت فيه، وتغمرني الأحزان التي ولدت في أحضانها. على أنه إذا كان ذلك بلاء بليت به فما أسعدني بهذا البلاء، وما أكثر جذلي حين أرقب وجهها في الليالي القمراء كأنها ملك هابط، أو كأنما قد فرت من الجنان حوراء
وأدركت الأميرة من كلام الصبي وضحك أترابها وتدله عيناه وخفق قلبه المتدارك أنها معشوقة ذلك الهزأة الشريد فانتفضت كمن مسها الخبل وصفعته صفعة طار لها صوابه، وأمرت الخادم أن يربطه عاريًا على ظهر فرس يطلقها إلى غير وجهه في براري الدانوب
وكان وجه مازبا إلى السماء، والفرس تنهب به أرضًا عذراء لم تطأها قدما إنسان، وطوت في الفلاة أيامًا، ثم ظهر لعينيها العمران فاتجهت إليه مسرعة كأنما كانت تحس أن حملها لاغب وهنان. ولما اقتربت الفرس من مضرب قبيلة (ساشا) القوقازية اشتد عليها نباح الكلاب. وسرعان ما رفع الخبر إلى زعيم القبيلة (دروفسكي) الذي انطلق يسائل مازبا عن قصته، ولكن الصبي كان لاه عن لغطهم وأسئلتهم بما قدم إليه من حساء وشواء، وكان لا يفتأ يسأل بين الحين عن فرسه وما قدم إليها من علف وماء.
وقال مازبا بعد ما طعم وروى: أشكر لكم أيها السادة هذا الطعام وهذا الكساء وأستودعكم الله. . . إلى اللقاء
فقال زعيم القبيلة: إلى أين يا مازبا؟
-إلى أين؟ حقًا إلى أين؟ عفوًا أيها الزعيم فإني لا أعرف إلى أين أذهب. فقال دروفسكي:
-يا بني. إن امرأتي عاقر ولم أعقب ولدًا وقد أرسلك الله لي فلا تخفر ظني فيك