ميثاق العصبة على عدة عقوبات تأديبية واقتصادية يتقرر اتخاذها ضد الدولة المعتدية في مثل هذه الظروف. ولم ترض اليابان عن هذا التدخل رغم عقمه. فانسحبت من العصبة لتكون مطلقة اليدين في تنفيذ سياستها الاستعمارية. وقد كان فشل العصبة في مسألة منشوريا ذروة ضعفها وانحلال هيبتها، فعملت الدول الغربية التي تستتر في العمل وراء العصبة على تدارك هذا الضعف، بحمل روسيا السوفيتية على الالتحاق بعصبة الأمم، ولبت روسيا هذه الدعوة، والتحقت بالعصبة بعد أن كانت تخاصمها وتعتبرها من أدوات الاستعمار المستترة حسبما فصلنا في فصل سابق في (الرسالة) . وأرادت الدول الغربية من جهة أخرى أن تقوي المظهر الشرقي لعصبة الأمم، فسعت لدى تركيا حتى التحقت بالعصبة، وكان التحاقها بها نتيجة مباشرة لانضمام روسيا إليها، لأن السياسة التركية الخارجية تسير مع السياسة البلشفية الخارجية جنبًا إلى جنب، ولأن موقف الخصومة الذي اتخذته تركيا نحو العصبة من قبل لم يكن إلا مجاراة لسياسة حليفتها موسكو. ثم كان دخول أفغانستان أخيرًا نتيجة أيضًا لنفس السياسة؛ وأفغانستان تتأثر بنصائح موسكو، وهي مدينة باستقلالها الأخير إلى معاونة موسكو ومؤازرتها، وهي تتأثر أيضًا بنصائح إنجلترا، وإنجلترا يهمها تقوية المظهر الشرقي لعصبة الأمم؛ ولذلك رأينا أغاخان مندوب الهند وأحد أبواق السياسة الإنكليزية يقول في خطابه الذي ألقاه لمناسبة انضمام أفغانستان: إن أخطار الطابع الغربي للعصبة كانت واضحة، وكانت دائما تغشى صبغتها العالمية، فدخول أفغانستان يقوي طابعها العالمي، ويزيدها قوة في القيام بمهمتها.
هذا ويجب ألا ننسى أن العراق أيضًا عضو في عصبة الأمم، وقد دخلت العصبة منذ نحو عامين، وكان دخولها نتيجة لعقد المعاهدة العراقية الإنكليزية التي نالت بها العراق استقلالها الذاتي (سنة 1930) وخروجها بذلك من ربقة الانتداب الذي كان مفروضًا عليها من قبل عصبة الأمم لمصلحة إنكلترا. ويجب ألا ننسى أن دخول العراق في العصبة كان مقرونًا من جانب العصبة بمظاهرة تؤكد صبغة الغربية والاستعمارية معًا، فقد وضعت العصبة لقبول العراق شروطًا تلفت النظر بتحاملها وشدتها، ولاسيما فيما يتعلق بحماية الأقليات الدينية والجنسية، وحرية البعثات التبشيرية في القيام بأعمالها، وتقرير الحق لكل دولة أن تشكو العراق إلى العصبة إذا رأت أنها قصرت في تنفيذ تعهداتها.