حيثما كنت أشاهد حسنه ... فهو محرابي إليه قبلتي
إن أمت وجدًا وما ثم رضًا ... واعنائى في الورى واشقوتي
يا طبيب القلب يا كل المنى ... جد بوصل منك يشفي مهجتي
يا سروري يا حياتي دائمًا ... نشأتي منك وأيضًا نشوتي
قد هجرت الخلق جمعًا أرتجي ... منك وصلا فهو أقصى منيتي
وكثيرون هم الأغنياء الذين كانوا يعرضون عليها الدور الفاخرة المترفة الغارقة بالحرير. وكثير منهم أولئك الذين كانوا يلحون عليها بقبول الدنانير الكثيرة فكانت ترفض هذا كله وتفر منه فرار السليم من الأجرب. فمن ذلك أن رجلًا أتاها يومًا بأربعين دينارًا ورجاها أن تتقبلها قائلًا: (تستعينين بها على بعض حوائجك) . فبكت ثم رفعت رأسها إلى السماء فقالت: (هو يعلم أني أستحي أن أسأله الدنيا وهو يملكها، فكيف أريد أن أحدها ممن لا يملكها؟) .
وأجمل من هذا وأروع أنها كانت تعبد الله بعاطفة حب تنزهت عن الغرض المادي وسمت فوق مخاوف الجنس البشري ومطامعه وفي ذلك تقول: (إلهي إذا كنت أعبدك رهبة من النار فاحرقني بنار جهنم. وإن كنت أعبدك رغبة في الجنة فاحرمني منها. وأما إذا كنت أعبدك إلهي من أجل محبتك فلا تحرمني من جمالك الأزلي) .
أما شعرها فهو في الذروة من شعر التصوف. وحسبها فخرًا أن أحدهم قال: (كانت رابعة السابقة إلى قواعد الحب والحرمان في هيكل التصوف الإسلامي وان الذي فاض به بعد ذلك الأدب الصوفي من شعر ونثر في باب الحب والحزن فهو نفحة من نفحات السيدة رابعة العدوية أمام العاشقين والمحزونين في الإسلام) .
هذا والمعترفون للسيدة بالفضل في ميدان الأدب الصوفي كثيرون. والآن يحسن بنا أن نورد نخبة من شعرها الوجداني المعبر:
لقد أعرضت شاعرتنا عن كل شيء لتقبل على الله وحده. وزهدت في كل أمر لتأنس بقربه ورضاه. لم يكن في قلبها متسع لأي شأن من الشؤون، ذلك لأنها أحبت الله بكل ما في قلب المرأة من العاطفة المتأججة العميقة، وبكل ما في روحها من الأشواق اللاهبه البعيدة. فجاء شعرها عاطفيًا مؤثرًا فياضًا بالشجن. ومن ذلك قولها: