شارع عماد الدين مثلًا وجوهًا وأجسامًا وثيابًا وآلات كاملة الصنعة مصقولة المظهر، يخبر مظهرها عن السكون والاطمئنان، غير إنها تفتح عوالم داخلية مروعة. وبالاختصار فإن الفنان الذي - لم يحس بقبس أو لمحة أو ناحية من (تيار وعي) كامل يمكنه من رؤية التشابه في أشياء، ومظاهر بادية الاختلاف، أو بالعناصر والقوى والفكر التي تذهب جميعًا لإخراج فكرة أو مظهر عادي مما نراه في حياتنا اليومية؛ ليس لديه تلك الملكة الشاعرة التي تستطيع أن تبني القصور من الرماد والهواء، أو تحلل السيارة الجيدة الصنع، الجميلة المظهر إلى عناصر حلم وغفوة إنسان وعصب حيوان، أو فقرات مادة سنجابية وجرح عامل فقير، ليس له ذلك الإحساس النافذ القدير على التكوين والتحليل، الذي يجبر القارئ على الإنصات له والاستماع لنغمه الشعري.
وإني لأعجب كيف يعجب أي قارئ له حظ من الثقافة ودقة الحس بكلام مثل هذا:
رب ليل مر أمضيناه ضمًا وعناقا
وأدرنا من حديث الحب خمرًا نتساقى
في طريق ضرب الزهر حواليه نطاقا
وتجلى البدر فيه، وصفا الجو وراقا
فإذا كان هنالك حب وضم وعناق، وزهر وبدر وجو رائق، فالإنسان العادي ليس به حاجة ليحس بنشوة آدمية حسية من غير أن ينظم له هذا الكلام شعرًا. وإن أي أفريقي في أدغال أفريقيا، حينما يصفو الجو، وينمو الزهر، ويشرق البدر، ويحب امرأة يستطيع أن يقول هذا الكلام.
وعند علي محمود طه أيضًا شعور غير محمود بأنه شاعر، ذلك لأنه قد ضم كل الشعريات وأحصاها في ديوانه. فقصيدة ميلاد شاعر مثلًا كلها تمجيد لهذا الرجل الذي يحسب نفسه شاعرًا، لأن لفظة الشعر والشاعر والزهور والألحان تكثر في كلامه.
والرجل الذي يستطيع أن يكتب - بعد معرفتنا الحاضرة وشعورنا المحدود الذي أتاحه لنا العلم والبحث العصري مثل هذه الأبيات الآتية، إنما أحسده لبساطته التي لا تحسد.
وتجلى الصدى الهتوف الساحر ... في محيط من الأشعة غامر
وسكون يبث في الكون روعًا ... وقفت عنده الليالي الدوائر (كذا)