ولا ينكر فضلهم أحد، ولكن أثرهم في هذا العالم المادي أقل ظهورًا؛ ففي اليوم الذي اجتاز فيه (بليريوت) القنال الإنجليزي بطيارته كانت الأفكار كلها وأحاديث الفخر والإعجاب موجه إليه، لا إلى العالم الذي فكر فيها عدة سنوات حتى أخترعها.
وإننا لا نقصد بذلك أن نقلل من قيمة العلماء أو المفكرين أو قادة الفكر، ولكننا نقصد الاعتراف بأن تأثير رجال الأعمال أظهر من تأثير رجال الفكر، وإننا نتأثر بالأعمال النبيلة أكثر من تأثرنا بالأفكار مهما كانت سديدة، ولا ننكر أن الفكر والوجدان ينتهيان بالعمل
ومنذ زمن ليس بالبعيد كانت التربية تفكر في العالم أكثر من العمل، فكان الإنسان إذا اختبر سئل عن (مقدار ما يعرفه) أما اليوم فقد تبدلت الحال وانعكس الأمر؛ فأصبحت التربية تعنى كل العناية بالعمل والأعمال، وأصبحت الأسئلة: (ماذا فعل الإنسان؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟ وما مقدار ما يفعل؟) ولم تكن الجامعات فيما مضى لتعنى بالجانب العملي من الحياة، ولم تكن لتعمل على تربية رجال ليعملوا؛ بل كانت عنايتها موجهة إلى تكوين رجال مثقفين حبًا في الثقافة، معلَّمين حبًا في العلم، ليكونوا كزينة لها أينما وجدوا في الأسرة أو المجمع الديني أو في المجمع الأدبي. وكان الرجل الجامعي المثقف لا ينتظر منه أن يعمل شيئًا بيده، فكان كأداة من أدوات الزينة، وكان المجتمع يزدريه ويحتقره إذا حاول أن يعمل عملًا يدويًا. أما الأعمال اليدوية وأما الصناعات فكانت خاصة بالطبقة الفقيرة التي تدعى الطبقة العاملة. وكان يظن خطأ أن هذه الطبقة خلقت لتعمل، أما الطبقة الأخرى فخلقت لتفكر.
أما اليوم فقد أصبحت الفكرة السائدة أن التفكير غير مقصور على طبقة من الطبقات، وأن العمل لا تختص به طائفة دون أخرى، وصار التعليم عامًا بين الفقراء والأغنياء على السواء في الأمم المتمدينة، لا يمتاز به هؤلاء على أولئك، وجعل وسيلة لإعداد الجميع للقيام بواجبهم العلمي والعملي والأدبي في الحياة. وأصبحت الفرصة، فرصة العمل سانحة أمام الجميع من غير ما تفريق. فالعلم الآن في هذا العالم المادي لا يصلح في نظر الماديين - وما أكثرهم - لأن يكون غاية مستقلة. بل يجب أن يكون وسيلة للعمل. ولسنا في شك مطلقًا من أن العلم قوة، لا، بل أكبر قوة في يد الإنسان. وهو قوة اليوم كما كان قوة بالأمس. وسيكون قوة إلى الأبد، ولكننا في حاجة إلى العلم الذي يؤدي إلى العمل، العلم