الله ما سمعت منه قط هذا الكلام، ولا أية عبارة أخرى يمكن أن تؤدي معناه
ولكن مع هذا لقد كان هذا هو الواقع اعني الواقع من حاله لا من مقاله: فأنني لا اعرف رجلًا سياسيًا عظيمًا كان اقل الناس أنصارًا وأكثرهم خصومًا كما كان الشيخ علي يوسف وخصومه. على كثرتهم، لقد كانوا من جميع الطبقات، وكانوا من جميع الهيئات، وانهم ليحيطون به إحاطة الطوق من كل جانب، وكلهم عامل على إسقاطه، جاهد ما امتد به الجهد في هدم المؤيد، مذك عليه الأقلام والألسن من كل ناحية، تدمغه بتهمة الخيانة الوطنية فما دونها في غير هوادة ولا اشفاق، والمؤيد يتقلص بين أيدي القارئين ويتقلص حتى يظن انه قد تشرف على العفاء. ثم إذا الشيخ يتجمع، وإذا هو يشرع القلم شرع الرمح الرديني، وإذا هو يطعن الطعنة البكر ها هنا مرة وها هنا مرة، فلا يصيب إلا الكلى والمفاصل. وإذا هؤلاء الخصوم يتطايرون عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، وإذا المؤيد يرن في البلد رنينه، بعد ما تردد تأوهه وطال أنينه!
وقد عرفت أن الشيخ علي يوسف كان مبغضًا إلى الكثرة في البلاد. وان هذا البغض ليرجع في الأكثر إلى أسباب صناعية: منها المنافسات الصحفية، ومنها الغيرة من موضعه يومئذ من ولي الأمر، ومنها كان هنالك رجال أقوياء ببسطة الجاه وسعة الغنى، وفيهم كذلك من ذهب لهم في العلم والأدب صيت وذكر، كان هؤلاء لا يستريحون إلى سياسة القصر، ولربما ظاهروا المعتمد البريطاني أحيانًا في عدائه للقصر. فهم بالضرورة، ينقمون من كل رجل توافيه للقصر، وخاصة إذا كان رجلًا كالشيخ علي يوسف جبار العقل جبار القلم
أرأيت كيف كان هذا الرجل محاطًا من جميع أقطاره بنطاق من العداوات المختلفة، بل التي يصطرع التناقض أحيانًا بين أسباب بعضها وبين أسباب بعض؟. على أن إذكاء بغض الشباب والعامة للرجل من جهة، وبغض الخاصة له من جهة اخرى، إنما كان يسلكه له خصومه من أحد طريقي الضعف فيه، أن صح هذا التعبير. أولهما انه كان معتدلًا لا يرى العنف سبيلًا إلى استرداد حقوق البلاد؛ بل أن هذا العنف لقد يرديها في أخطار لم تكن لها في الحساب، وكان طوعًا لهذا يرى إلا يتحدث على الشئون العامة إلا الشيوخ الناضجون المجربون، وهذا وهذا، ولا شك مما لا يرضى الشباب المشتعل حماسًا لحق الوطن. ولا تنسى أن العامة من وراء هؤلاء أما السبب الثاني فلصوقه بالقصر، وشدة