وأيضًا فإن الله - عز وجل - جعل كل مالك ظاهرًا بالحقوق التي ذكرنا على مملوكه، فكذلك جعله ولي نفسه، والقيم عليه يعوله ويمونه ويعلمه بالدين ويروضه وينفعه، كما يفعل ذلك لولده.
فلم يكن له أن يعصيه فيما هو من حقه، كما لا يكون للولد أن يعق الوالد ويعصيه فيما هو من حقه.
وأيضًا فإن العبيد والإماء أمناء ساداتهم على أنفسهم وما تحت أيديهم.
فأي شيء خانوا ساداتهم فهم فيه كسائر الأمناء إذا خانوا، غير أن خيانتهم في نفوسهم الأباق أو في منافع أبدانهم بمنع الخدمة وإظهار العصيان أقطع.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» .
فالعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، وإذا خان كان مسؤولًا عما في يده من مال سيده، فهو بأن يكون مسؤولًا عن نفسه، وهو مال سيده أولى وأحق والله أعلم.
ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كما وصى المالكين بالمملوكين، فكذلك قد عرف المملوكين حقوق المالكين، وبين لهم ما يستحقونه من الأجر، إنما حقوق المالكين إليهم دلالة على أنهم إن حبسوها عنهم كان ما يستحقونه من الإثم بقدره.
فروى عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني، وويل للجاهل من العالم، وويل للعالم من الجاهل، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد» .
وقال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» .
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «للمملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي له من الحق والنصيحة والطاعة، أجران: أجر ما أحسن من عبادة ربه، وأجر إلى ما أدى إلى مليكه الذي له عليه من الحق» .
وأيضًا فإن الزوجية شبهت بالرق، قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، واتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .
ومعلوم أن الزوج كما أنه مخاطب في امرأته بالإحسان إليها والعطف عليها والمرأة مخاطبة بالطاعة لزوجها، وتغلظ عليها حقه قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد غير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، فوالذي نفسي بيده، لا تقضي امرأة حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه» .
فدل ذلك على السيد إذا خوطب بالإحسان إلى مملوكه كان المملوك كذلك مخاطبًا بأن لا يعامل سيده بالغيظ والضجر، ولا يرى أنه باسترقاقه ظالم له مسرف عليه ويؤدي إليه ماله عنده من الحقوق، لا بخباثة فيها، ولا يبخسه شيئًا منها.
ويعلم أن تقصيره فيما أوجب الله تعالى لسيده ليس بأدنى من يجامل سيده عليه واحدة بما لم يوجبه الله عليه، وبالله التوفيق.