فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1140

فصل: وإذا أسر الحربي وهو من المعطلة أو عبدة الأوثان فقيل له: لتسلم أو لنقتلنك، فأسلم، صح إسلامه في ظاهر الحكم.

فإن لم يؤمن من قلبه فهو عند الله تعالى منافق، وإنما كان إسلامه صحيحًا في الظاهر، لأن إكراهه عليه كان حقًا إذا لم يكن بدين الله تعالى دينًا، فإن الله تبارك وتعالى لا يرضى من قادر على التدين والتعطل، ولا يسوغ أحدًا أن يشرك به شيئًا إذا كان لا الإكراه لحق لم يكن هو المكره والمختار فرق في الحكم كمن أكره على طلاق لحق، أو تفسير إقرار محمل، فإن طلاق ذلك وتفسير هذا كالواقع من المختار.

فإن قيل: ولم يكره أحد على الإيمان، والإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد، والإكراه على الاعتقاد لا يتأتى لأنه معيب.

قيل له: لأنه ليس وراء الإكراه إلا الإمساك والتجافي عنه مكان الإكراه أعدل، لأنه قد ينتبه على الإكراه على قبح الكفر وضيعته، فيحدث له ميل إلى الإسلام ورغبة فيه فيكون إيمانه إيمان مختار، ولو ترك لتمادى في كفره، فيكون الإكراه أشبه باستفتاح الكفر واستحبابه من الإمساك والله أعلم.

وأيضًا فإن الكافر إذا كان قد سمع دين الإسلام ودعوة النبي - صلى الله عليه وسلّم - وبعض ما جاء به من الإعلام، فالأغلب أن امتناعه من الإسلام عناد وليس عن شبهة واقعة له.

فإذا حمل على الإسلام بالوعد فأسلم، فالظاهر أن إسلامه لتبين الحق له، وإن كان أخره إلى أن يوعد عليه، وإنما الإكراه إنما أثر في إزالة عناده لا في تقرير صحة الإسلام.

كما أن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفيًا بالدواء وإن كان آخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان أثر الإكراه إزالة الامتناع لا تحقيق شفعة الدواء عنده.

فلهذا جعل مسلمًا في ظاهر الحكم وإن كان إسلامه عن إكراه والله أعلم.

مسألة: وأما الذمي إذا استكرهه المسلمون على الإسلام فأسلم، لم يلزمه الإسلام إلا بأن يقر بأن رأيه تغير وأسلم مختارًا لأنه لم يكن لهم أن يستكرهوه بعد ثبوت الذمة له، فكان ذلك كاستكراه الكفار المسلم على الكفر.

ومعلوم أنه إن تكلم بالكفر غير مختار لم يكفر.

فكذلك الذمي إذا استكره على الإسلام فكلم بالحق غير مختار لم يسلم.

فإن قيل: الإكراه على الإسلام إكراه على حق فلم لا كان إسلام المكره كإسلام المختار.

قيل: الإكراه على الحق ينبغي أن يكون بحق حتى يصير المكره كالمختار.

فأما إذا كان ما يقع الإكراه عليه حقًا في نفسه، إلا أن الإكراه عليه غير مملوك، للمكره فيه حكم المختار.

ألا ترى أن رجلًا من عرض الناس لو استكره رجلًا على بيع شيء من ماله في دين عليه في بلد فيه سلطان أو قاض لم يلزمه ذلك البيع.

ولو استكرهه عليه الحاكم فباع لزمه، وما افترقا إلا لأن الحاكم يملك والأجنبي لا يملكه، والبيع إذا لم يوصل إلى البعد إلا به حق في الحالين، فكذلك إكراه الذمي على الإسلام غير مملوك للمسلم، وإن كان الإسلام حقًا، فواجب أن لا يكون المكره عليه كالمختار والله أعلم.

فإن قيل: لم لا قلتم أن المسلمين إذا استكرهوا الذمي ساروا بذلك ناقضين عهده، فإذا أسلم كان ذلك كإسلام من لا عهد له.

قيل: عهده لا ينتقض، فنقض من ينقضه من المسلمين من غير جناية يحدثها أو اختلاف شرط أن يكون منه، وليس نقضهم عهده كنقضه، لأن العهد له وهو المحتاج إليه، فإذا نقضه انتقض، لأنه لا يضر بذلك إلا نفسه، وإذا نقضه المسلمون من غير عذر لم ينتقض لأنه إنما عقد له دفعًا لما يخشاه من الضرر من جنايتهم، فلو لم يلزمهم وكان ينتقض أو ينقضوه لم يكن فيه فائدة واستوى وجوده وعدمه والله أعلم.

فصل: وإذا ارتد المسلم عن دينه وهو سكران أخذ به، لأنه فيها عليه بمنزلة الصاحي إلا ترى أنه لو أقر بدين أو طلق امرأته أو أعتق عبده لزمه، وهو في وجوب الصلاة بدخول الوقت كالصاحي.

فكذلك الردة عليه، فكان فيها كالصاحي.

فإن رجع إلى الإسلام وهو سكران صح إسلامه لأنه إقرار وعدل ويلزم نفسه به حقوقًا.

فهو كنكاحه وطلاقه وعتاقه وإقراره بالديون والجنايات، فلما كان تلك يلزمه فالإسلام أولى أن يلزمه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت