فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 1140

فإن قيل: ولم، إذا كانوا مضطرين إلى المعرفة لم يجز أن يكونوا ممتحنين ما وراء المعرفة.

قيل: لأن سائر الطاعات تقع بالمعرفة، فإذا وقع الإمتحان وقع ما وراءها، وإذا سقط الإمتحان بها لم يثبت فيما وراءها.

ولو لا أن هذا هكذا لجاز أن يؤمر الكفار إلى الآخرة بأمر، بعد أن عرفوا الله ضرورة واعترفوا به، فإذا انتهوا إليه أدخلوا الجنة.

وأن يمتحن الفقراء بأن يؤتوا في الآخرة مالا، ثم يؤمر قوم أن سلوهم منه شيئًا، فمن أعطى أدخل الجنة، ومن أبى أدخل النار وعذب عذاب مانع الزكاة.

فإذا لم يجز هذا لم يجز مثله، وعليه ان مرجع هذا الحديث إلى أنهم يقدمون على كفر، لو كفروا في الدنيا لكان يقع منهم.

وقد بينا أن التعذيب على مثله لا يكون.

وأيضًا فإن دلائل الشرع قد استقرت على أن التخليد في النار لا يكون إلا على الشرك، وامتناع الصغار في الآخرة من دخول النار المؤججة ليس بشرك، فكيف يجوز أن يخلدوا لأجله نار جهنم.

فإن قيل: إذًا لا يخلد المسلم بمعاصيه لأنه مؤمن، فهؤلاء لا إيمان لهم مكتسبًا.

قيل: والكفار إنما يخلدون لكفرهم، وهؤلاء لا كفر منهم أصلًا.

فثبت بهذا كله أن هذا الحديث مخالف لأصول المسلمين، ولا يجوز إثباته، وبالله التوفيق.

فصل: وأما ولدان المسلمين، فقد توقف فيهم من توقف في ولدان المشركين، فقال: إذا كان كل منهم معامل بما علم الله تعالى منه أنه فاعله لو بلغه، فكذلك ولدان المسلمين.

واحتج بما روى أن صبيًا مات لرجل من المسلمين فقالت عائشة رضي الله عنها: «يا رسول الله، طوباه، عصفور من عصافير الجنة لم يدرك شرًا، ولم يعمل به.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم - أو غير ذلك يا عائشة! إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم.

وخلق للنار أهلًا، وجعلها لهم وهم في أصلاب آبائهم».

فيما مضى أن ما يروى عن قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - في أطفال المشركين: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يحتمل أن يكون معناه غير ما يقول المحتج به.

وأما هذا الحديث الآخر، فيحتمل أن يكون إنكار النبي - صلى الله عليه وسلّم - على التي قطعت: إن الصبي في الجنة، لأن القطع في ذلك بإيمان أبويها، وقد كان يحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافر.

فيخرج هذا على قول من يقول: قد يجوز أن يكون ولدان المشركين في النار، وقد يحتمل أن يكون أنكر ذلك لأنه لم يكن أنزل عليه في ولدان المسلمين شيء، ثم أنزل قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} .

فأخبر عز وجل: إن الذين آمنوا في الحياة الدنيا وجعل ذرياتهم اتباعًا لهم في الإيمان، فإنه يلحق بهم ذرياتهم في الآخرة.

فثبت بذلك أن ذراري المسلمين في الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت