فهرس الكتاب

الصفحة 785 من 1140

الثلاثون من شعب الإيمان

وهو باب في العتق

ووجه التقرب إلى الله عز وجل: فقد أوجبه الله تعالى في الكفارات، كما أوجب الإطعام والكسرة والصيام، وأوجبه في فدية النفوس إذا قتلت بظلم.

فدل ذلك على أنه مما يتبرر به، ويتقرب إليه عز اسمه به من غير ما جناية، يتقدم كما يتبرر بنظائره التي ذكرناها من غير جناية تتقدم.

وقال عز وجل: {فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} .

وقوله فلا اقتحم العقبة كلام إنكار واستبطاء وهو كقوله: {فَلاَ اقتَحَمَ الْعَقَبَةَ} يعني عقبة النار التي قال الله - عز وجل - فيها: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} ، أي هلا عمل ما يسهل عليه اقتحامها.

ويحتمل أن يكون المراد بالعقبة جميع ما هو مستقبله من البعث والحساب والجزاء الذي لا يدري أيكون بالحسنى أو الشر، أي كما يقول القائل لغيره: بيني وبين هذا الأمر عقاب، إذا كان بعيدًا المدرك متعذرًا لظفر.

ثم إن المسهل لاقتحام العقبة ما هو؟ فذكر: فك رقبة، وإطعام المحتاج فدل ذلك على أن كل واحد منهما بر وقربة.

ثم روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن رجلًا قال له: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة؟ فقال: «اعتق الرقبة وفك النسمة.

فقال الرجل: أليسا يا رسول الله واحدًا.

فقال: إعتاق الرقبة أن ينفرد لعتقها، والنسمة أن يعين في ثمنها».

فلو لم ينصص النبي - صلى الله عليه وسلّم - على أمره بالعتق، في جواب ما سأله عنه من عمل يدخله الجنة، واقتصر على أمره بفك الرقبة، ثم فبشرة بما قاله: لكان في ذلك دليل على عظم أجر العتق، فكيف إذا نصر عليه، لأن الإعانة في ثمن الرقبة التي تشترى للعتق، إذا كانت توجب الجنة، واقتصر على أمره بفك الرقبة التي وجب أن يكون العتق نفسه إنجابها أقرب والله أعلم.

ثم جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «من أعتق نسمة عتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار» .

وهذا أبلغ ما يكون من الترغيب في العتق.

وعنه أنه قال: «يا معاذ، ما خلق الله على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا أبغض إليه من الطلاق» .

ثم إن إدخال الله تعالى العتق في جملة الكفارات يدل على رفعة قدرة لأن الكفارات هي التي تزيل العقوبة توجهها على المجرم، ولن يتسع لذلك إلا ما صار للجريمة وخالفها، كما أنه لا يتسع لإزالة النجس والقذر إلا ما صار وخالفه، فكان أبلغ الأشياء طهارة وأكملها نظافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت