فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 1140

فصل: فإن قال قائل: إن كان دليلكم على حدث الجوهر بغير الأوصاف عليها، فإن هذا المعنى منتقض عليكم بالباري جل ثناؤه فإنه قدير بلا خلاف، ولم يكن موصوفًا بالفعل إلى أن فعل واستحق اسم الفاعل، وأفعاله أيضًا لم تقع ضربة واحدة، ولكنه فعل وترك.

وكذلك هو في المستقبل يفعل ولا يفعل، وقد قال: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فهو يريد بعد أن لم يكن مريدًا، ويقول: كن، بعد أن لم يكن قائلًا، ثم يدع الإرادة ويدع القول.

ويعلم المعدوم معدومًا، فإذا أوجده علمه موجودًا، وكل هذا أحوال شتى وأوصاف مختلفة، ولم يكن في جوارها على الباري - عز وجل - ما يفسد القول بقدمه.

فما أنكرتم أن اختلاف الأحوال على الجواهر لا يفسد القول بقدمها!

وإن قلتم إن الفعل وغير الفعل موجبان بغير أحوال المفعول.

فلا يوجب أن تغير أحوال الفاعل.

قلنا: وكذلك تعاقب الأعراض على الجواهر، فوجب تغير الأعراض في أنفسها.

فأما الجواهر فإنها بحالها لا تتبدل، ولأنها لا تستحيل ولا تتغير ولا تفسد، فما دلالتكم إذًا على حدثها؟

فالجواب: أن حمل الجواهر للإعراض هو الدليل على حدثها، وذلك أن للعرض حدوثًا وانقضاء ولا بد له من شيء يكون حدوثه وانقضاؤه فيه، ووجدنا الجوهر حاملًا للأمرين فيه ودل ذلك على أن بقاء الجوهر عرض حادث، فلذلك أمكن أن يحدث العرض فيه.

ولو كان الجوهر قديمًا لم يكن بقاؤه عرضًا، فكان لا يلائم الوجود العرض من شيء آخر ولا يحمله، ألا ترى أن الباري جل ثناؤه لا يجوز أن يكون حاملًا للأعراض وما ذلك إلا كما وصفت، فلو كانت الجواهر قديمة لكان حكمها فيما ذكرت حكمه، ولما لم يكن كذلك بل كانت حاصلة للأعراض، علمنا أن المعاني التي تسمى أعراضًا إنما جاز أن يعترض فيها المجانسة التي بين ثقلها حال حدوث الأعراض فيها وبين بذلك الأعراض.

وهذا يدل على أن الجواهر ليست بقديمة، ومعنى وصفنا إياها بالتغيير أنها مجال للأعراض فهو يقبلها أو يحملها مع اختلافها فتصير لأجل ما تحمله منها موصوفًا مرة بصفة وموصوفًا بضدها أخرى.

والعقلاء لا يفرقون الغير إلا هذا، وما يزيد وضوحًا أن من الأعراض التي تحمل الجواهر ما يعدمها بفعل حال إلا وقد يحلها خلاف ذلك فيعجزها عن ذلك الفعل حالًا، وكالإنسان يصبح ليفعل أفعالًا كثيرة، ثم يعرض فلا يتبع لملك الأفعال، ومعلوم أن الفعل إنما يقع من الجواهر وإذا اتسعت للفعل حالًا ولم يتسع له أخرى، فقد وجب التغير.

وأما الباري جل جلاله فإنه تعالى عن الأعراض أن تحله، والأحوال أن تكون له.

وأما وجود الفعل منه بعد إن لم يكن، فلا يوجب لغيره لأنه لا يفعل في نفسه وإنما يفعل في غيره، فذلك الغير هو الذي اختلف حاله، فكان مرة معدومًا ومرة موجودًا، وأما الإرادة والقول فإن أصحاب الحديث يقولون: إن الله جل جلاله لم يزل مريدًا أن تكون كل كائنة في الوقت الذي كانت فيه، وهذا يبين أنه لا تغير له بوجه من الوجوه.

وأما غير أهل الحديث، فإن الإرادة عندهم من صفات الفعل، لا من صفات الذات، فهل تحل المراد ولا تحل الود، كما أن الخلق حل المخلوق ولا تحل الخالق، فلا يؤدي واحد من القرائن إلى إجازة التغير على الباري جل ثناؤه وتقدست أسماؤه.

وأما العلم فإنه إثبات الشيء على ما هو به، وإذا كان الشيء معدومًا وعلمه معدومًا وإذا كان موجودًا، علمه موجودًا، فيثبته في كل حال على ما هو به، وذلك لا يوجب تغير علمه، إنما يوجب تغير المعلوم، لأنه علمه بالمعدوم لم يكن إلا إثباته إياه على ما هو به، فإذا صار موجودًا فقد أثبته على ما هو به بان أن العلم اختلف وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت