وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، وكما ظهر أنها دار الخلد، فإذا كان الذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا يموت أبدًا.
وأيضًا أن الجنة دار لذة وسرور، لا خوف فيها ولا حزن، وإن من فيها لا يمرض ولا يموت.
وأما أهل السماء فإنهم خائفون وجلون، وأهل الأرض بالبلايا والمصائب منتحبون.
فلا ينكر أن يكون هؤلاء يموتون وأولئك لا يموتون.
وأيضًا فإن الموت إنما هو لقهر المكلفين ونقلهم من دار إلى دار وأهل الجنة لم يبلغنا أن عليهم تكليفًا، فإن أعفوا عن الموت كما أعفوا عن التكليف لم يكن ذلك ببعيد.
فإن قيل: إن الذين يدخلون الجنة إنما لا يموتون ولا يخافون ولا يحزنون، جزاءًا لهم بأعمالهم، والولدان والحور لم يربوا في الجنة، جزاءًا لهم بعمل صالح قدموه فإن ماتوا فذلك، ولا يبعد من أمرهم.
قيل: لو صح هذا لجاز على قياسه أن يمرضوا ويبتلوا بالمجاعة والجهد والخوف من الذين يحرمونه من أهل الجنة، فإن كان شيء من هذا لا يلحقهم، وإن لم تكن الجنة جزاءًا لهم، فلا ينكر أن لا يكتب عليهم الموت، وإن لم تكن الجنة جزاءًا لهم، وبالله التوفيق.
فإن قيل: فإن الله - عز وجل - يقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} .
وفي هذا دليل على أن الجنة يفنيها ثم تعاد ليوم الجزاء.
فما أنكرتم أن الولدان والحور يموتون ثم يحيون!
قيل: يحتمل أن يكون معنى كل شيء هالك إلا وجهه، أي ما من شيء إلا وهو قابل للهلاك.
فيهلك إن أراد الله ذلك إلا وجهه أي إلا هو، فإنه تعالى قديم والقديم لا يمكن أن يفنى، وما عداه محدث والمحدث إنما يبقى قدر ما يبقيه محدثه، فإذا حبس البقاء عنه هلك، ولم يبلغنا في خبر صحيح ولا معدل، أنه يهلك العرش ويبقيه، فلتكن الجنة مثله والله أعلم.
فصل: وقد سمى الله - عز وجل - الصور باسمين: أحدهما الصور والآخر الناقور، وذلك قوله تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} .
وقول المفسرين أنه الصور.
والظاهر أن الصور وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفخات جميعًا، فإن الإصعاق يخالف صيحة الإحياء.
وجاء في الأخبار: أن في الصور ثقبًا يعد الأرواح كلها، وإنها تجمع فيه النفخة الثانية، فيخرج عند النفخ كل روح من إحدى الثقب نحو الجسد الذي نزع منه وحتى يرجع إليه، فيعود الجسد حيًا بإذن الله تعالى، فيحتمل أن يكون الصور يجمع الآيتين، ينقر في أحدهما، وينفخ في الأخرى، فإذا فيه للإصعاق جمع بين النقر والنفخ لتكون الصيحة أجل وأعظم.
وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه، واقتصر على النفخ، لأن المراد إرسال الأرواح في ثقب الصور إلى أجسادها لا ينفرها من أجسادها.
والنفخة الأولى للتنفير، وهي نظير صوت الرعد الذي قد يقوى فيموت وبالله التوفيق.