فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 1140

وله وجه آخر: وهو أنهم لو فعلوا خلاف ما كانت تلك الملل توجبه، لم يكن في ذلك بر ولا قربة لهم مع تمسكهم بالملل الفاسدة، فكيف يقال لهم: ألا خالفتم ما كانت مللكم تدعوكم إليه، ولو كانوا فعلوا ذلك لم يكن ذلك بانفراده برا ولا قربة لهم.

وأما المسلم فإنه يقال له: لم فعلت ما كان دينك لا يقتضيه، لأنه لو كان فعل بخلاف ذلك، لكان لزوم ما يوجبه دينه عليه برًا له وقربة، فهذا فرق ما بينهما والله أعلم.

والوجه الآخر: أن الكفار يحاسبون بتعاطيهم كما يحاسبون بأصل دينهم، ومعنى قول الله عز وجل: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} ، أي محاسبون.

ومعنى: {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} ومعنى {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين، أي أن الملائكة لا تحتاج إلى أن يسأل أحد يوم القيامة فيقول: ما كان دينك، وما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين له بإخباره عن نفسه، أنه كان مؤمنًا أو كافرًا، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه، منشرحي الصدور، والمشركين سود الوجوه زرقًا مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، أو تمييزهم في الموقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم والله أعلم.

ومن قال هذا فيحتمل أن يقول: إن الأمر يوم القيامة يكون بخلاف ما هو كائن قبله على ما وردت به الأخبار من سؤال الملكين الميت إذا دفن وانصرف الناس عنه، يسأل عن ربه ونبيه ودينه، أي إذا كان يوم القيامة، لو تسأل الملائكة عند الحاجة إلى تمييز فريق عن فريق عن هذا لاستبقائهم بمناظرهم عما وراءها والله أعلم.

ومن رأى بهذا الرأي فعسى أن يحتج بقول الله عز وجل: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .

فأخبر إنهم يسألهم عن أعمالهم، وهذه الآية في الكافرين.

ولمن ذهب المذهب الأول أن يقول: إذا سألهم عن أصل كفرهم ثم عن تحديهم إياه في كل وقت باستهزائهم بآيات الله ورسوله، فقد سألهم عما كانوا يعملون، وذلك هو المراد بالآية والله أعلم.

فصل: وإذا انقضى الحساب، كان بعده وزن الأعمال للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهارها معانيها دبرها ليكون الجزاء بحسبها قال جل ثناؤه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} ، {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت