الحادي والأربعون من شعب الإيمان
وهو باب في تحريم الملاعب والملاهي
قال الله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} .
نزلت في الذين انفضوا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وتركوه قائمًا يخطب لأجل قدوم دحية الكلبي لتجارته من الشام، فكان خروجهم إليه ونظرهم إلى الغير لهوًا، لأنه لا فائدة فيه، إلا أنه كان ما لا مأتم فيه لو وقع على غير ذلك، لكنه لما اتصل به الأعراض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - والإنفضاض عن حضرته غلظ وكبر فيه من القرآن وتسميته باسم اللهو ما نزل.
وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه.
وتأديبه فرسه، وملاعبته لامرأته فإنه من الحق».
ومعنى هذا ـ والله أعلم ـ إن كل ما يلهو به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة، فهو باطل والإعراض عنه أولى إلا أن هذه الأمور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يلهي بها ويستأنس ويبسط، فإنه حق لاتصالها بما قد يفيد.
فإن الرمي بالقوس، وتأديب الفرس جميعًا من معاون القتال.
وملاهيه للأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد، يوحد الله ويعبده.
فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق.
ومنها اللعب بالنرد والشطرنج، وقد وردت فيها أخبار وآثار.
وجملة القول فيهما إن اللعب فيهما على شرط المال حرام بإيقاف، واللعب بهما على شرط المال يختلف فيه، وتحريمه عندي أشبه والله أعلم.
جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - النرد، فقال: «عصى الله ورسوله، عصى الله ورسوله، عصى الله ورسوله، من ضرب بكعابها يلعب بها» .
وفي رواية ثالثة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «من يلعب بالكعاب فقد عصى الله ورسوله» وفي رواية رابعة نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن الكعبين.
وفي رواية خامسة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «من لعب بالنرد فهو كمن غمس يده في لحم خنزير ودمه» ومعنى هذا عند أهل العلم، أي هو كمن غمس يده في لحم الخنزير نهيته لأن يأكله.
والجملة أن اللعب بالنرد كأكل لحم الخنزير.
وفي رواية سادسة، قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بقوم يلعبون بالنرد فقال: «قلوب لاهية وألسنة لاعبة وأيد عاطلة.
فإن قيل: ليس في هذا أنه نهى عنه.
قيل: قد يقدم من النهي ما يكفي به.
وإنما هذا إنكار وتقريع وراء النهي.
وقد يصلح بنفسه لأن يكون نهيًا، لأن الله - عز وجل - إنما وصف الكفار بمثل هذا فقال: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} .
ومعلوم أنه لم يذمهم بأن قلوبهم لاهية إلا وإلهاؤها بما ألهوها به محرم عليهم.
فكذلك ذم النبي - صلى الله عليه وسلّم - اللاعبين بالنرد، بأن قلوبهم لاهية، هذا سبيله.
وكذلك للألسنة اللاعنة، لأن اللسان لم يخلق للغو، وإنما خلق للذكر، وقول الحق.
فإذا اشتغل باللغو فقد عمل بما لا ينبغي إعماله به والله أعلم.