فهرس الكتاب

الصفحة 1127 من 1140

فصل: وقد تتفق أحوال وداد الجود والسماحة فيها فضلًا، نحو إن شكر قوم يجوز وعد غيرهم من فضول المال ما يقدرون به على تخليصهم، أو نفع حاجة إلى عمارة مسجد الجماعة، أو حفر نهرهم وليس عند الجميع ما يقدرون به على تحمل المؤونة، وعند بعضهم من المال ما يتسع المؤاساة، والجمالة عن الآخرين، أو يقع بين قوم ثأر ولزم أن يؤاخيهم أو غير ذلك، ويمكن إصلاح ذات بينهم بشيء من المال.

فإن الأحسن في هذا كله البذل والإنفاق والسماحة، وفيه الذكر والمثوبة.

فأما إذا قحط الناس وأعوز بعضهم الطعام، وكان عند الآخرين من فضول أقواتهم ما يقدرون به على المواساة، فحرام عليهم أن يحرموهم ولا يطعموهم، إما متصدقين وإما معارضين، وليس الإطعام في هذه الحال بجود، إنما الجود أن لا يرغب في العوض، فإن تصدق على المحتاج ولم يبعه الطعام فقد جاد، والله أعلم.

ومن الأوقات التي يستحب فيها الجود شهر رمضان، لأن الناس كلهم يكونون مشاغيل بالصيام والصلاة وقراءة القرآن.

فإذا قام المكفيون الموسعون، بأمر الأوساط والمحتاجين يفرغوا للعبادة، وإذا خلوهم وأنفسهم اشتغلوا بالسعي على أنفسهم على العبادة.

فكان حمل الكلفة عنهم إرفاقًا لنفوسهم حتى لا يجتمع عليها جهد الصوم ونصب الاضطراب والتصرف وإعانة لهم على العبادة.

وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان أجود الناس بالخير، فكان أجود ما يكون في شهر رمضان.

وكان يلقاه جبريل صلوات الله عليه، فيقرأ عليه القرآن.

فكان إذا رآه أجود بالخير من الريح المرسلة - صلى الله عليه وسلّم -.

وقيل: إن الريح المرسلة هي واحدة الرياح التي وصفها الله تعالى بأنه يرسلها بشرى بين يدي رحمته، وأنه يرسلها فتسير السحاب.

وقال تعالى: {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا} وإنما أراد بذلك أنه لا يتمالك في تلك الحال، بل كان يسمح بما عنده كما أن الشيء الريح لا يملك حبس رائحته لكنها تفوح فيحبسها من يدنو منها والله أعلم.

فصل: ومن وجوه البخل أن يرد الواحد الصدقة، فيعمد إلى أرذل الأموال فيتصدق بها، وهذا بخل منه يجوده المال، كما أنه لو حبس الصدقة أصلًا لكان ذلك بخلًا منه بنفس المال، والله - عز وجل - يقول في مثل هذا: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} ومن وجوه البخل أن يعطي ثم يحدث بالذي أعطى، أو يمن به على من أعطى، وهما جميعًا مذمومان.

قال الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى} .

فالمن المتحدث به، والأذى التغير.

وإنما ألحقنا الأمرين بالبخل لأن كل واحد منهما يوحش المعطى ويزيل عن قلبه السرور الذي كان له بالعطية، ويصفها عليه، فيصير المعطي كالمسترجع لها منه، أو كالراجع عليه بعوض، لأنه لا يسلم له منفعة ما أخذ إلا بما أخذ من عوضه بإزائه، ويكون ذلك شرًا من البيع في الابتداء والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت