واختلف في النفس فقيل تبقى وقيل تبطل، وهذا في غير الشهداء.
فأما الشهداء فإنه لا يفرق بين أرواحهم وأنفسهم، ولكنها تنقل إلى أجواف طير خضر، كما ورد به الحديث الذي هو أولى ما يقال به، ويستسلم له.
وتعلق تلك الطير من ثمر الجنة، فتستمد روحه من غذاء بدن الطائر كما كان يستمد في بدن الشهيد من غذائه، ويصل إليه لذلك من اللذة والنعمة والبهجة أضعاف ما كان يصل إليه من أطيب شيء كان يصبه البدن في الدنيا كانت مشوبة بالمضار والمفاسد، وما في الجنة منها يزداد على الأوقات طيبًا ولذة، وتكون نفسه فرحة مغتبطة بما صارت إليه، مستبشرة بما يعلمه من أحوال الذين يلحقون بهم من بعد، وأنهم صابرون إلى مثل هذا المصير، كما قال عز وجل: {يُرْزَقُونَ} {فَرِحِينَ} {وَيَسْتَبْشِرُونَ} .
فلا يزال ذلك حال الشهيد إلى أن ينشر فتعاد روحه ونفسه إلى بدنه من غير أن يصعق عند النفخ في الصور، لقول ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ} قال: هم الشهداء، ويحشر مع سائر أهل الحشر وينقضي الحساب والعرض، فيرد بجميع أجزائه إلى الجنة ليشترك ما كنف منها وما لطف في التنعم بنعيمها والتلذذ بلذاتها وبالله التوفيق».
فصل: والجهاد فرض بجميع المال والبدن، ولهذا قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} .
وقال: {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} .
وقد جاءت بالحث على بذلهما في سبيل الله عز وجل، وفضله أخبار كثيرة، وتكلم أهل العلم في ذلك، وفي وجوب أحكامه، فأكثروا لما جاء في هذا الباب حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلّم: أي العمل خير؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله.
قال: فأي الرقاب خير؟ قال: أرأيت إن ضعفت عن ذلك، قال: تدع الناس من شرك فإنها صدقة تصدقها على نفسك».
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «ما أفضل الأعمال؟ قال: جهاد لا غلو فيه، وحجة مبرورة.
قيل: فأي الصلاة أفضل؟ طول القنوت.
قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عليك».
روي أنه - صلى الله عليه وسلّم - سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها: قيل فما يلي أثر ذلك؟ قيل: بر الوالدين: قيل: فما يلي إثر ذلك؟ قال: الجهاد» .