التاسع من شعب الإيمان
وهو باب في أن دار المؤمنين ومآبهم الجنة ودار الكافرين ومآبهم النار
قال الله جل ثناؤه: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
وقال فيما وصف القيامة: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} .
وقوله جل ثناؤه: إلا ما شاء ربك فيه وجهان: أن الله تبارك وتعالى لما أخبر عن اليوم الموعود بأن الذين شقوا ففي النار، والذين سعدوا ففي الجنة.
كان الذي يقتضيه هذا الظاهر أن دخول كل واحد من الفريقين الدار المعدة لهم يقترن بإتيان اليوم الموعود.
فقال جل ثناؤه: {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} من وفقهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا ووزنت أعمالهم، وسيق كل فريق منهم إلى حيث قضى له لئلا يعارض الخبر المقدم خلق.
ومن قال بهذا قال: أن قوله ما دامت السماوات والأرض، لم يرد به أنهم يبقون حيث ذكر وسمي قدر ما بقيت السماوات والأرض، لأن التوقيت ينافي الخلود، وإنما ذلك عبارة عن طول مدة بقائهم، فضرب للمخاطبين مثل ذلك بهذه بقاء السماوات والأرض، إذا لم يكن فيما يعلمونه من خلق الله جل ثناؤه، ويعرفون حاله أطول بقاء منها، ولم يكن في جملتها شيء، أخبروا أنه ليس بمنقض، فيضرب لهم مثل الجنة والنار.
فهذا القدر هو المراد لأن بقاء أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار كما يتبين إلى وقت ثم ينقضي، لكنه دائم باق ولا انقضاء له والله أعلم.
والوجه الآخر: أن المعنى خالدين فيها مادامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة عليه.
ألا ترى أنه قال في أهل الجنة {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع، فلو كان المعنى أنهم يقيمون قدر مادامت السماوات والأرض ثم يخرجون، لكان العطاء مجذوذًا.
فلما أخبر أنه غير مجذوذ علمنا أن معنى الاستثناء ما ذكرنا والله أعلم.