فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 1140

فأما ما وراء ذلك من عذاب، فإن أحدًا من المسلمين لا تداني ذنوبه ذنوب آل فرعون، فإذا كان الله - عز وجل - لم يعاملهم قبل الآخرة بأكثر من العرض على النار دون إحساسها أبدانهم، رجونا من فضله ورأفته أن لا يمس مسلمًا نارًا قبل أن يورده الآخرة، وكل ما دون ذلك من إرغاب وتخويف وتعريض للحسرات والندامات، أو خلاف ذلك من أطماع وتبشير وإعلام بالمحاب والمسرات، فإن النفس لا تحتاج في الإجابة إلى البدن فيكون ما يكون لها وعليها والله أعلم.

وفي هذا الرأي جمع بين القولين اللذين سبق أيضًا ضمهما، فيكاد من هذا الوجه أن يكون وسطًا والله أعلم.

وإنما نذكر هذه الوجوه أزاحة لما عسى يعترض به الملحدون وينسبون إليه أخبار الديانات ومحبيها بالإمتناع إليه في العقول، لكن له مكان الوجه الواحد أوجهًا، وإلا فالأولى بالمسلم الإيمان بما يثبت عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلّم -، والتسليم له دون أن يتوقف في ذلك إلى أن يبين له وجهه.

فإن الصحابة قبلوا عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ما أخبرهم به وأنذرهم إياه من عذاب القبر وغيره، ولم يراجعه فيه منهم أحد، ولا سأله عن وجهه وكيفيته، فكذلك ينبغي لمن بعدهم أن يفعل فيكون التابعين لهم بإحسان وبالله التوفيق.

فصل: إن سأل سائل عن معنى ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» .

قيل له: هذا حديث رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وابنه عبد الله يزعم ولما بلغ عائشة رضي الله عنها قولهما، قالت إنكم لتحدثون من غير كاذبين، ولكن السمع قد يخطيء، أن الله أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه وفي رواية أخرى قالت عائشة: إنما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - على يهودية فقال: «إنكم لتبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها» ولكن للحديث وجوهًا إذا حمل عليها خرج خروجًا حسنًا.

ولم تقع ضرورة إلى تغليظ عمر وابن عمر مع فضلهما وكبر محلهما، أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بأن يناح عليهم إذا ماتوا وتذكر أحوالهم ومقاماتهم، فكان إذا مات أحدهم بكى عليه أولياؤه، وأقاموا عليه النوح، يذكرون أعماله وعاداته، وحروبه وركوبه المحارم من النساء، وغيرهن، فقل إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» إذ بكاؤهم عليه بوصيته وعلى الوجه الذي بينته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت