فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 1140

فصل: ثم إن الملائكة يسمون روحانيين، بضم الراء، على معنى أنهم أرواح لا شيء معها من ماء أو نار أو تراب، وإنما لا يرون للطافتهم.

فأما الجن فهم مخلوقون من النار مرئية، لا أنهم حجبوا عن الأبصار، ولذلك سموا جنًا، والجنة في لسان العرب السترة، فكأنهم مستورون عن الناس، وقد سمى الله - عز وجل - جبرائيل صلوات الله عليه الروح الأمين، وروح القدس.

وقال: {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} وقال: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} وقال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا} .

فقيل أن المراد جبريل، وقيل أنه ملك عظيم سوى جبريل يقوم وحده صفا والملائكة صفًا، ومن قال بهذا قال: الروح جوهر.

وقد يجوز أن يؤلف الله تعالى أرواحًا فيجسمها ويخلق منها خلقًا ناطقًا عاقلا فتكون الروح مخترعًا، والجسم وضم العقل والنطق إليه حادثًا من بعد.

وقد يجوز أن تكون الأجسام على ما هي عليه اليوم مخترعة كما اخترع عيسى وناقة صالح.

وفي بعض الأخبار الواردة في شأن الملائكة ما يدل على هذا الوجه، وقال بعض الناس: إن الملائكة رَوحانية بفتح الراء، بمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والطلل، ولكنهم في فسحة وبساطة، وقد قيل: إن ملائكة الرحمة هم الروحانيون ـ بفتح الراء ـ، وملائكة العذاب هم الكريبيون فهذا من الكرب، وذاك من الروح والله أعلم.

ومما يدل على مفارقة الجن الملائكة أن الله - عز وجل - أخبر أنه: تسأل الملائكة يوم القيامة عن المشركين، فيقول لهم: {أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} .

فتقول الملائكة: {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} فتشهد أن الملائكة غير الجن إذ لو كانت الملائكة جنا لم يخل عباد من أن يكونوا عباد الملائكة فلم يكن لقول الملائكة أنهم كانوا يعبدون الجن ولا يعبدوننا معنى، والله أعلم.

فصل: ثم إن الناس قديمًا وحديثًا تكلموا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر، أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة.

وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى مفضلون على سكان الأرض، واحتجوا بقول الله عز وجل: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} .

فبدأ في نفي الإستنكاف من العبودة لله جل ثناؤه من المسيح ثم نبأ بنفيه عن الملائكة.

فدل ذلك على أن الملائكة أرفع قدرًا وأعلى مرتبة إذ لم يكونوا كذلك لكان في معنى ما نفى عن المسيح دلالة على أن من دون بإنتفاء ذلك عنه أولى، فقد عقل أن الأعلى رتبة الأرفع درجة إذا لم يأنف منه، فالذي هو أعلى منه يأنف ولا يأنف، فلذلك صار وجه الكلام أن يبدأ في مثل هذا بالأدنى ثم إنثني بالأعلى، ألا ترى أنه يقال: لن يأنف الوزير أن يدعى خادمًا للأمير ولا الكاتب، وما كان كذلك إلا لعلو رتبته وارتفاعها عن رتبة الكاتب، وكذلك ما ذكرنا والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت