والآخر: أن الفريقين إذا جمعهما مجمع واحد وهو شفير جهنم أو الصراط، ثم ميز أحدهما عن الآخر، وصير به إلى الجنان، والآخر إلى النيران إن كانت الحشرة على الذين يصار بهم إلى النار أشد، ومصيبته أقطع وأوجع.
وقد يجوز أن يكونا معًا هما المراد.
فإن قيل: فلم لا يرى أهل النار أهل الجنة، كما يرى أهل النار ليعلموا ما الذي فاتهم وحرموه بالمعاصي أنفسهم، فيكون ذلك أعم وأوجع لهم.
قيل: لأن حريم الجنة وحريم النار كالنار، فلما كانت النار يخرج منها عصاة المؤمنين، ولا يخلدون فيها، صلح إيراد المؤمنين شفيرها ليروها، ويعاينوا أحوالها، ثم ينقلوا عنها.
ولما كانت الجنة لا يخرج منها دخلها لم يلق بها أن يورد الكفار حريمها فيستنشقوا رائحتها ويشاهدوا نعيمها ثم ينقلوا عنها.
فإن كانت النار في أسفل كما وصفهم فإجازة الكفار على الصراط لأي سبب؟
قيل له: أن من قال.
إن الكفار يركبون الجسر، فقد يخرج عن قوله أن تكون أبواب جهنم في الجسر فروجًا، فيه أشباه أبواب السطوح، فهم يقذفون منها في جهنم، وإنما يجمع بينهم وبين المؤمنين على الصراط ليكون فرج المؤمنين بالفوز والخلاص أعظم، وحسرة الكفار وغمهم أشد وأفظع، وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول.
ولعل قول الله جل ثناؤه: {وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} يكون في هذا الوقت، وما في القرآن من قول الله عز وجل: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ} ، وقوله تعالى {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} .
فالدليل على هذا، لأن الإلقاء في الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علو إلى أسفل، نحو قولهم: ألقاه في الحوض وفي البيت، وإذا لم تكن كذلك، قيل: ألقاه على قارعة الطريق، وألقاه على ظهره والله أعلم.
ومن قال: إن الكفار لا يركبون الجسر، قال: قد يكون لجهنم يوم القيامة سبعة مشارع يصار بالكفار إليها، ثم يلقى بعضهم فيها، ويسحب بعضهم على وجوههم، ويساق بعضهم سوقًا، ويكلفون دخولها، وليس يكون هذا، لأن الملائكة يتعذر عليها هذا الأمر في مكان من جهنم، ويتيسر في موضع، ولكن لأهل النار سبعة أصناف، كما قال الله تعالى {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} فيجعل الله يومئذ لها سبعة مشارع لتتميز الأصناف بعضها من بعض والله أعلم.