الخامس والثلاثون من شعب الإيمان
وهو باب في الأمانات وما يجب من أدائها إلى أهلها
قال الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
وقال: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} .
وقال عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} .
ومعنى ذلك ـ والله أعلم ـ الدلالة على فضل العقل والحياة وشرفهما، وأمانة الإنسان إنما صار صالحًا للتكليف بسببهما، وإن السماوات والأرض والجبال، وإن كان أعظم جثة وأشد قوة منه، لما كانت خالية عن الحياة والعقل لم تصلح للتكليف والتعبد.
فقال - عز وجل - {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} يعني تعريض العمل على شرط الثواب والعقاب.
أي قابلنا باب التعبد أمره ونهيه بحال السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها.
أي فلم يجد فيها محملًا له.
{وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي وكن أضعف من ذلك وأبعد من الصلاح، لأجل أنه لا حياة لهن، ولا عقل فيهن، وما خلا عن الحياة والعقل خلا عن الاختيار، ولا يمكن وجود الفعل منه إلا يسيرًا، والسحر لا يليق به الثواب، ولا يمكن وجود الخلاف فيه، فيستحق العقاب، فكان قوله تعالى {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ} كقوله إلى {جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} أي كان دنا من الانقضاض وأشرف عليه.
وكقوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} .
ومعلوم أن المجيء لا قول ولا طواعية له بعد أن يكون تمام الخلق مستكمل الوجود.
فكيف في حال الإيجاد؟ فكان المعنى أنه قال: إئتيا طوعًا أو كرهًا أي كونا كما أريد.
ولا يمكن أن لا يكونا، فكانتا كما أراد، فوقعت العبارة عن ذكرهما كما أراد الله تعالى منهما بأنهما قالتا: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} فكذلك غير عن خلق السماوات والأرض والجبال عن أن يكون فيهما محمل لذلك لأنه ركب فيه الحياة والعقل وعلم البيان.